الشروق نيوز 24

بوعشرين يكتب… المهداوي ليس هو المشكلة ؟؟؟

بوعشرين يكتب… المهداوي ليس هو المشكلة ؟؟؟

كلما طالت أزمة حراك الريف، ازدادت أخطاء السياسة الجنائية في المملكة الشريفة. هذه السياسة التي لا نعرف من يحركها بعد خروج النيابة العامة من وزارة العدل، ودخولها في حالة شرود.
الله وحده يعلم إلى أين سيقودنا هذا «الإجتهاد» الفريد الذي إختاره أصحاب الحل والعقد لمؤسسة النيابة العامة، المسؤولة عن الحريات الجماعية والفردية، خارج مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وهو مبدأ دستوري، في حدود علمنا.

الوكيل العام للملك في الحسيمة إعتقل الصحافي حميد المهداوي، يوم الخميس الأسود في الحسيمة، بتهمة التحريض على التظاهر غير القانوني، وقال بلاغ الوكيل العام للملك: «إن النيابة العامة أشعرت، من طرف مصالح الشرطة القضائية، بواقعة قيام المسمى حميد المهداوي بإلقاء كلمة بساحة محمد السادس وسط مجموعة من الناس، يحرضهم من خلالها على الخروج للتظاهر، رغم قرار المنع الصادر عن السلطات المختصة».

وأضاف الوكيل العام: «وبناء على ذلك، أمر وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالحسيمة بفتح بحث مع المعني بالأمر، بسبب الإشتباه في إرتكابه أفعالا مخالفة للقانون، تمثلت بالأساس في تحريض أشخاص على إرتكاب جنح بواسطة الخطب والصياح في الأماكن العمومية، ودعوتهم إلى المشاركة في مظاهرة بعد منعها، والإسهام في تنظيم ذلك».

ولتوضيح ملابسات الإعتقال والتحقيق، أضاف بيان الوكيل العام للملك بالحسيمة: «هذا، وينبغي تأكيد أن البحث القضائي جارٍ مع المعني بالأمر، ويتعلق بأفعال لا علاقة لها بالعمل الصحافي كمهنة تتولى جمع الأخبار أو المعلومات أو الوقائع أو التحري، أو الإستقصاء عنها بطريقة مهنية قصد كتابة أو إنجاز مادة إعلامية، وفق التعريف الوارد في المادة الثانية من قانون الصحافة والنشر».

إذا سمح لنا السيد الوكيل العام للملك بالحسيمة أن نناقشه هذا القرار، وإذا لم ينزع عنا رداء العمل الصحافي، كما فعل مع المشاكس حميد المهداوي، حين حصر سيادته مجمل العمل الصحافي في جمع الأخبار وإعادة كتابتها، وإستثنى إبداء الرأي بالكتابة أو الصياح من العمل الصحافي، فإننا نبدي جملة من الإعتراضات على قراره المجانب للصواب:

أولا: ليس من إختصاص النيابة العامة تعريف العمل الصحافي، ولا رسم حدوده، وإذا كان ولا بد من الرجوع إلى قانون الصحافة والنشر لنزع جبة الصحافي من على ظهر المهداوي، فلا بد، على الأقل، من أخذ التعريف الوارد في قانون الصحافة بكل فقراته، لا إجتزاؤه لخدمة توجه منحرف في فهم النص وتطبيقه، فالمادة الأولى من قانون الصحافة لا تحدد العمل الصحافي فقط في جمع الأخبار من مصادرها الصحيحة وإعادة نشرها، بل تضيف الفقرة الثانية من قانون الصحافة والنشر: «تُمارس الصحافة بواسطة مطبوع دوري مكتوب تنشر فيه، كيفما كانت لغته المستعملة، أخبار أو أفكار أو آراء أو معلومات أو صور أو رسوم، أو تُمارس بواسطة صحيفة إلكترونية». إذن، الأفكار والآراء تدخل في إطار العمل الصحافي، وهو ما قام به المهداوي -على فرض التسليم بصحة الوقائع الواردة في بيان النيابة العامة- والآراء والأفكار، حتى وإن لم تعجب السلطة أو النيابة العامة، فهي مشمولة بقانون الصحافة والنشر، ومن ثم، وجب تطبيق القانون عليها، سواء إعترفنا للمهداوي بصفته الصحافية أم لا، فقانون الصحافة والنشر يسري ليس فقط على الصحافيين بل على كل المواطنين، والقاعدة المعروفة تقول: «لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص»، والقانون الخاص مقدم في التطبيق على القانون العام، والقاضي يحكم بالقانون وليس برأيه في القانون.

ثانيا: إعتقال المهداوي كصحافي أو كمواطن لأنه أبدى رأيا في التظاهرة السلمية ليوم الخميس الماضي، ودعا المواطنين إلى التظاهر السلمي، أمر غير قانوني (الإعتقال) لأن المادة 98 من قانون الصحافة والنشر تمنع إعتقال أو توقيف المشتبه في خرقهم هذا القانون، أكانوا صحافيين أم مواطنين، وتقرر، بما لا يدع مجالا للتأويل، أنه «لا يمكن، بموجب هذا القانون، إيقاف المشتبه به أو إعتقاله إحتياطيا». إذن، المهداوي وراء القضبان خارج القانون، ووضعه في حال إعتقال يمكن أن يدخل تحت تعريف الخطأ الجسيم، الذي يوجب مساءلة النيابة العامة عنه أمام المجلس الأعلى للسلطة القضائية.

ثالثا: المهداوي، وبغض النظر عن فهمه للعمل الصحافي وطريقة ممارسته، إعتُقل وسط المسيرة عندما كان يغطيها لموقع «بديل» الذي يشرف عليه، ولم يُعتقل قبل ذلك وهو يصيح داعيا الناس إلى الخروج للتظاهر، لأنهم خرجوا قبل أن يبدأ هو بالصياح، ولهذا لا يمكن أن يطبق عليه الفصل 72 من قانون الصحافة والنشر الذي يقول: «يعاقب بغرامة ما بين 20 ألفا و200 ألف درهم كل من قام، بسوء نية، بنشر أو إذاعة أو نقل خبر زائف أو إدعاءات أو وقائع غير صحيحة، أو مستندات مختلفة أو مدلس فيها، منسوبة إلى الغير إذا أخلت بالنظام العام، أو أثارت الفزع بين الناس بأي وسيلة من الوسائل، لاسيما بواسطة الخطب والصياح أو التهديدات المتفوّه بها في الأماكن والإجتماعات العمومية».

لنخرج الآن من بيت الصحافة الهش إلى بيت السياسة.. المشكل لا يوجد في فيديوهات المهداوي، ولا في صياحه، ولا في خرق قرار منع التظاهر السلمي في مدينة تحتج منذ تسعة أشهر دون إشعار. المشكل يوجد في مؤسسات الدولة العاجزة عن حل أزمة عمرها يقرب من السنة في مدينة صغيرة، وهذا مجرد نموذج مصغر عن إحتجاجات قادمة في مدن أخرى أكبر من الحسيمة، إذا إستمر الوضع السياسي والإقتصادي والإجتماعي ينتج السلطوية الجديدة، والفوارق الإجتماعية الصارخة، والحكرة المدمرة، والفساد المستشري في كل أركان الدولة… هذا هو المشكل الحقيقي.




رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://choroknews24.com/news4975.html
نشر الخبر : admin
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : التعليقات ()
طباعة الصفحة
التعليقات ()
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. <br /> وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.