الشروق نيوز 24

حراك الريف ينهي أسطورة الإستثناء المغربي في الغرب !!!

حراك الريف ينهي أسطورة الإستثناء المغربي في الغرب !!!

هل إنتهى الاستثناء المغربي ؟؟؟ إنه التساؤل الذي يردد أكثر من باحث ومهتم بالشأن الداخلي المغربي والدوائر الأوروبية خاصة في إسبانيا وفرنسا في أعقاب إستمرار الحراك الشعبي في الريف منذ ثمانية أشهر والتهديد بالإنتقال الى مناطق أخرى من المغرب. ويأخذ التساؤل شرعيته من ملامح غياب الإستقرار وكيفية حضور صورة المغرب في الإعلام الدولي خلال الأسابيع الأخيرة.
وعمل الملك محمد الخامس غداة الإستقلال على نحت الإستثناء المغربي عندما إختار الليبرالية نهجا سياسيا للبلاد وراهن على التعددية في مواجهة حزب الإستقلال الذي كان قويا ويزاحم المؤسسة الملكية في الشرعية ويعتبر نفسه الحزب السياسي الوحيد صاحب الشرعية والمعتمد لتسيير شؤون البلاد.
وعمل ابنه الملك الحسن الثاني على ترسيخ فكرة الإستثناء خاصة بعدما بدأ ما اصطلح عليه سنة 1975 بالمسلسل الديمقراطي، كما يعمل الملك محمد السادس على تعزيز هذه الأطروحة خلال العقدين الأخيرين عبر مشاريع سياسية واقتصادية

الاستثناء المغربي منذ الاستقلال !!!

والواقع أن فكرة الإستثناء المغربي هي نتاج الظروف السياسية وكانت أوضح في بداية الإستقلال.
في هذا الصدد، شارك في الحصول الإستقلال طرفان، الأول وهي الحركة الوطنية المتجلية ومنها حزب الإستقلال وجيش التحرير ثم الطرف الثاني هي المؤسسة الملكية. وكان الطرفان يتقاسمان السلطة في ربوع البلاد، وقد وقعت مواجهات سياسية بينهما تحولت الى ملاحقات عسكرية. ويعني الإستثناء المغربي في العمق هو التعددية الحزبية في وقت كانت معظم الدول العربية وباقي العالم الثالث بعد إستقلالها تراهن على الحزب الوحيد أو حكم العسكر أو الجمع بينهما كما حدث في الجزائر من خلال التحالف بين جبهة التحرير الوطني والجيش.

وبدأ الإستثناء يتحول الى شبه سراب إبتداء من الستينات لأن الملك الراحل عمل على تهميش الأحزاب بل وملاحقتها بتهم شتى أحيانا بتهمة الخيانة في حرب الرمال وأحيانا بالتورط في الإنقلابات أو التخطيط لها حتى إنفراده بالسلطة سنة 1965.
ولكن هذا لم يمنع من وجود بوادر إستثنائية جنينية تتجلى في تعددية نسبية للغاية، شكلت متنفسا للمجتمع المغربي، حيث تطورت الأحزاب السياسية والنقابات وجمعيات المجتمع المدني ومنها الجمعيات الحقوقية رغم الفاتورة الباهظة التي جرى دفعها من إعتقالات وإختطافات وسياسة الإقصاء الممنهج.

والإستثناء المغربي في يومنا الحالي يعني إتفاق غير موقع بين الشعب المغربي والدولة المخزنية، فالأول لا يطالب بتغيير النظام وتكون الإنتفاضات في إطار لا ينتقل الى الراديكالية التامة رغم محاولات قليلة باءت بالفشل ونعني بها تغيير النظام الحاكم، مقابل إلتزام الدولة المخزنية بعدم تحويل المغرب إلى ليبيا أو سوريا أو السعودية، ذلك أن الرهان على تحويل المغرب إلى دولة مثل هذه الدول، حظر الأحزاب وآلاف المفقودين وعشرات الآلاف من المعتقلين، يعني مغامرة المؤسسة الملكية وإحتمال نهايتها.

ويمكن إعتبار الربيع العربي عنوانا بارزا لهذا التصور المتحكم في المشهد السياسي المغربي، فبينما خرجت الشعوب في دول مثل مصر وليبيا وسوريا وتونس تطالب بإنهاء النظام الحاكم، وهو ما ترجم عمليا في طرد دكتاتوريين من طينة التونسي زين العابدين بنعلي والمصري حسني مبارك والليبي معمر القذافي، إقتصرت مطالب حركة 20 فبراير على إصلاح جذري للدستور المغربي من خلال ملكية برلمانية تسود ولا تحكم أو على الأقل لها دور بارز في التحكيم والإشراف على المشاريع الكبرى بدل التسيير اليومي ثم الإبتعاد عن المشاريع الإقتصادية الذاتية تطبيقا لشعار “لا للجمع بين الثروة والسلطة”.

وكل دراسة معمقة لمفهوم الإستثناء المغربي في أعين مراكز التفكير الإستراتيجي وكذلك الحكومات الغربية هو إستمرار لهذا التوازن بين الطرفين، وهو توازن تكسر في منطقة معينة وهي الصحراء، إذ أن المطالبة بتقرير المصير هو خطئ الدولة في الحفاظ على التوازن، وإن كان الصحراويون المنادين بتقرير المصير لهم رأي آخر إعتمادا على أطروحة مغايرة.

حراك الحسيمة ونهاية الإستثناء المغربي !!!

وفي وقت ساد فيه الإعتقاد وسط المغرب وفي الدوائر الدولية سواء الحكومات أو معاهد التفكير الإستراتيجي بهدوء الأوضاع في المغرب، وكتب أكثر من باحث عن الإستثناء المغربي خلال السنوات الأخيرة نتيجة تعديل الدستور سنة 2011 ونتيجة ائتلاف حكومي برئاسة حزب إسلامي التي قادها عبد الإله ابن كيران، يندلع الحراك الشعبي في الريف ومعه بداية التشكيك في النموذج المغربي أو مقولة الإستثناء.

من عناوين التشكيك هي المقالات التي نشرتها جرائد دولية كبرى مثل *نيويورك تايمز* *ونيوزويك* *ولوموند * *والباييس * *والقدس العربي* كلها تتساءل: هل سيمتد الحراك الشعبي في الريف إلى باقي المغرب ؟؟؟
في الوقت ذاته، من عناوين التشكيك في الإستثناء المغربي هو حضور الملف لدى مختلف حكومات الغرب وخاصة أوروبا. ومن ضمن الأمثلة: تصريحات الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون خلال زيارته إلى المغرب وتأكيده في الندوة الصحفية أنه عالج موضوع الريف مع الملك محمد السادس. ويضاف إلى هذا أسئلة حول الحراك في البرلمان الأوروبي وبرلمانات وطنية أوروبية مثل إسبانيا وهولندا وبلجيكا.
ولعبت الجالية المغربية ولاسيما الريفية دورا هاما في إنهاء أسطورة الإستثناء المغربي، إذ شهدت مدن أوروبية مثل مدريد وبرشلونة وباريس وبروكسيل وأمستردام ودوسلدوف ولهاي وبرلين وجنيف و..أكثر من 40 تظاهرة جعلت الإعلام الدولي يهتم بالملف ومستقبله.

ويبقى السؤال: لماذا فاجأ الحراك الشعبي في الريف الصحافة الدولية والباحثين في المراكز الدولية بل حتى فئة كبيرة من المغاربة ؟؟؟ هذا يعود الرؤية الخارجية للتفاعلات الإجتماعية والسياسية التي يشهدها المغرب.
في هذا الصدد، تركز مختلف الباحثين على العامل السياسي، وهذا يترجم عبر مدى قوة هيئة سياسية مناهضة للحكم القائم، الملكي، أو على الأقل حزب سياسي قوي قادر على تحريك الشارع ضد الحكومة. والبحث سيقود الى جواب مريح وهو: الحركة الأكثر تنظيما وهي العدل والإحسان لا يوجد ضمن مخططاتها المواجهة مع المؤسسة الرئيسية في البلاد وهي الملكية. وفي الوقت نفسه، الحزب السياسي الرئيسي في المعارضة وهو الأصالة والمعاصرة لا يمتلك برنامج ضغط على حكومة الائتلاف بقيادة سعد الدين العثماني بهدف الدفع نحو إنتخابات سابقة تشريعية لأوانها.

ومما يشجع الباحث أكثر في الحصول على الأجوبة المريحة هو تجنب الدولة المغربية حتى الأمس القريب عبر أدواتها الأمنية والإستخباراتية ممارسة ما يعرف بالعنف الوحشي، أي الإعتقالات والإغتيالات على شاكلة مصر مثلا أو الإعتقالات فقط على شاكلة ما تشهده تركيا بعد فشل الإنقلاب العسكري الصيف الماضي ضد الرئيس طيب رجب أردوغان.
لكن بدأت في الأسابيع الأخيرة تقع إنزلاقات مقلقة وخطيرة مثل نسبة المعتقلين الذين فاق عددهم 250 ومقتل الشاب عماد العتابي وإعتقال صحفيين بتهم واهية وملفقة مثل مدير الجريد الرقمية بديل، حميد المهداوي.

وإذا كانت الرؤية الأولى تقوم على ترمومتر الحرية السياسية وحرية التعبير، هناك رؤية ثانية وهي رئيسية بل حاسمة في الكثير من الفترات التاريخية وهي مدى تلبية الدولة للحاجيات الإجتماعية للمواطن المغربي من ضمان صحة وتعليم وشغل ومستوى لائق من المعيشة. والتأمل في الرؤية الثانية سنجد أنها العامل الذي حرك الكثير من الثورات عبر التاريخ وتعرف أحيانا باسم “ثورة الجياع”، لكن غاب هذا العامل نسبيا خلال العقود الأخيرة من التحاليل بسبب غلبة السياسي خاصة الحريات السياسية على الاجتماعي.

وعمليا، نبهت تقارير دولية سواء مراكز التفكير الإستراتيجي أو مؤسسات عالمية مثل الأمم المتحدة من هذا العامل. ومن ضمن الأمثلة: المراتب غير المشرّفة التي يحتلها المغرب في تقارير التنمية البشرية والتي تتأرجح ما بين 120 الى 130، وهي ناقوس خطر للدولة المغربية بإقتراب البلاد من النفق الإجتماعي وإحتمال إنفجار الأوضاع سواء على المستوى المحلي أو الوطني. وهذا جعل الملك يقول في خطاب العرش الأخير 29 يوليوز/تموز الماضي أن الوضع الاجتماعي مخجل.

والمتأمل في الخريطة الإجتماعية للمغرب سيندهش من كثرة الإضطرابات الاجتماعية اليومية حول مطالب بسيطة مثل الحق في ماء الشرب والمطالبة بمستوصف أو المطالبة بمدرسة تحترم الحد الأدنى للتدريس.
وكما حدث في السنوات الماضية، عندما كانت مدينة من المدن تشهد إنفجارا مثل الدار البيضاء سنتي 1965 و1979 وتطوان والحسيمة والناضور سنة 1984 وفاس سنة 1990، إنفجرت الأوضاع هذه المرة في الحسيمة وبشكل أكثر تنظيما يقوم على السلمية ومحرج للدولة المغربية لنوعية المطالبة رغم مناورة الدولة بإستعمال تهمة الإنفصال لتشويه الحراك.

وأعطى الحراك الشعبي في الريف صورة مغايرة عن المغرب في الخارج، ولا يقتصر هذا فقط على مستوى التشكيك في الإستقرار بل هشاشة الماركتينغ الدبلوماسي الذي إعتمده المغرب خلال السنتين الأخيرتين وهو المشاركة في تنمية إفريقيا. وهنا يحضر التساؤل الذي يردده الكثيرون وطنيا ودوليا: كيف زعم المغرب تنمية إفريقيا وخصص موارد لهذا الهدف بينما الوضع الاجتماعي للشعب المغربي في مناطق متعددة مقلق الى مستويات كارثية أحيانا ؟؟؟ ويمكن تلخيص ذلك في مديونية متفاقمة تتجاوز 84% من الناتج الإجمالي الخام، وفشل قطاع التعليم وغياب أي إستراتيجية للشغل وإفتقار البلاد للحد الأدنى من الصحة جعلت الملك محمد السادس يقول بأن الوضع الاجتماعي يدعو للخجل.

إن المطالب الاجتماعية للحراك الشعبي في الريف أنهت الأسطورة السياسية “الإستثناء المغربي”، وهنا نجد الغلبة للإجتماعي على حساب السياسي. ومعالجة الخطاب الإعلامي لكبريات الصحف الدولية حول المغرب تتسم بالتشكيك في النموذج المغربي حاليا.

نزاع الصحراء وحراك الريف !!!

علاوة على إنتهاء أسطورة الإستثناء المغربي، هناك إنعكاسات سلبية أخرى على المغرب سياسيا وإقتصاديا بسبب المعالجة السيئة للحراك الشعبي في الريف. ويمكن إجمال التداعيات السلبية فيما يلي:

في المقام الأول، نظرا لإستمرار النزاع الإجتماعي في الريف، ونظرا لإحتمال امتداده الى باقي المغرب بحكم أن معظم العوامل التي تقف وراء الحراك في الريف موجودة في باقي مناطق البلاد، فهذا يعني أن تقييم المخاطر مستقبلا للمغرب ستكون مرتفعة. وسيترتب عن هذا تراجع الإستثمار وحصول المغرب على قروض بفوائد أعلى.

في المقام الثاني، نظرا لما سجله نزاع الحراك في الريف من خروقات حقوقية خطيرة خاصة خلال مسيرتي عيد الفطر ويوم 20 يوليوز والإعتقالات بالجملة في صفوف النشطاء سيكون من الأسباب التي ستعتمد عليها جبهة البوليساريو في مهاجمة المغرب. وهذا موضوع سيخلق مشاكل لتأثيراته المستقبلية بحكم استغلال جبهة البوليساريو في المحافل الدولية لكل أخطاء المغرب ومنها ما يجري في الحراك.






رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://choroknews24.com/news4991.html
نشر الخبر : admin
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : التعليقات ()
طباعة الصفحة
التعليقات ()
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. <br /> وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.