الشروق نيوز 24

إستقلال “إقليم كاتالونيا” مسمار ينتعل حذاء وحدة مملكة إسبانيا ؟؟؟

إستقلال “إقليم كاتالونيا” مسمار ينتعل حذاء وحدة مملكة إسبانيا ؟؟؟

لم يكن ماريانو راخوي يتعامل مع مبادرات كاتالونيا بالإستقلال بالجدية المطلوبة، ولا يعير أهمية للحوار السياسي مع الأحزاب القومية المسيطرة، والتي تستقطب الساكنة بوعد تنظيم الإستفتاء من أجل الإستقلال، وتحصد أصواتها وتعزز فوزها ونتائجها مع توالي الإستحقاقات النيابية المحلية والوطنية، في مقابل تقهقر رصيد ونتائج وحضور الأحزاب التقليدية في الإقليم(الحزب الشعبي والحزب الاشتراكي).

وكان رهان وارتكاز ماريانو راخوي منذ البداية منصبا على دستور الأمة الإسبانية لسنة 1978 والقانون والمؤسسات في مواجهة هذا المد الإنفصالي وإجباره على الجزر والتراجع، وكان يهرول إلى المحكمة الدستورية لتعطيل أي إعلان أو مبادرة أو قانون وبطلانه، بعلة عدم موافقة السلطة المركزية في مدريد(ف 32 المادة 149 من الدستور، والمنع الدستوري لإجراء أي إستفتاء خلافا لذلك، ولكون الدستور نفسه يحمي الوحدة الترابية لإسبانيا) المادة 2 من الدستور.

وفي مقابل نظر الحزب الشعبي الحاكم، فقد أدرك الحزب الاشتراكي خطر هذه النزعة الإنفصالية، وكان ينادي بإستباقها بحل وسط عن طريق تعديل الدستور والعبور نحو النظام الفدرالي؛ غير أن تعثر بيدور سانشيز، رئيس هذا الحزب، في تشكيل الحكومة بعد الفرصة التي أتته على إثر إعلان راخوي عن الحزب الشعبي الفائز بالإنتخابات عدم مبادرته لتشكيل أغلبية حكومية، وبعده تقهقر نتائج الحزب الاشتراكي التاريخي بعد إعادة الإنتخابات، ونجاح راخوي أخيرا في تشكيل الحكومة وإنقلاب الاشتراكيين على زعيمهم أسدل تلك الأفكار.

وقد إتخذ برلمان كاتالونيا قانونا حدد فيه موعد الإستفتاء في الفاتح من أكتوبر 2017 وحدد فيه الإجراءات والمسطرة التي تعقبه، كما سن قانون المرحلة القانونية الإنتقالية والمرور إلى الجمهورية، وسارعت الحكومة المركزية إلى خوض معركة قضائية لعدم إجرائه. وبالرغم من نجاحها القانوني والقضائي باستصدارها من المحكمة الدستورية لقرارات بتوقيف الإستفتاء، بدءا بإستفتاء 2014، وإستفتاء الفاتح من أكتوبر 2017 والإذن القضائي لها باتخاذ إجراءات مادية لمنع تنظيمه، بعد تمادي وإصرار الحكومة الكاتالونية لإجرائها، وبالرغم من تدخل الشرطة الوطنية والحرس المدني لعرقلته ومنعه، فإن ذلك لم يحل دون تنظيم العملية.

ولم يشكل تصريح رئيس الحكومة المركزية بعدم وقوع أي إستفتاء لعدم شرعيته أي حرج لكارلوس بويجدمونت، رئيس الحكومة المستقلة لكاتالونيا، بوصف نتائج الإستفتاء بالشرعية وذات المصداقية، ورتب عليه أثرا بإعلانه في جلسة 10 أكتوبر أثناء مثوله أمام البرلمان عن إستقلال كاتالونيا عن إسبانيا؛ إلا أن إبهاما لف هذا الإعلان، لأنه أعقبه مباشرة بتعليقه من أجل فسح مسيرة للوساطة الدولية والحوار مع الحكومة المركزية، وهو العرض الذي ترفضه الحكومة المركزية في مدريد، لأنها لا تقر ولا تعترف بوقوع عملية الإستفتاء وبطلان كل إجراءاتها لعدم شرعيَّتها لسبقية إقرار المحكمة الدستورية بعدم قانونيتها وتوقيفه ومنع وقوعه، ولأن الجهة المؤهلة لأية وساطة هو مجلس المستشارين (كغرفة للتمثيل الترابي لكل إسبانيا- المادة 69).

وبعد حصول هذا الإعلان، فإن الحكومة المركزية في مدريد تسعى إلى مواجهته بالمادة 155 من دستور إسبانيا 1978، ومن أجله فهي تطالب رئيس الحكومة المستقلة بتوضيح تصريحه، وإعطاء اليقين حول طبيعة قراره المرتبط بإعلان الإستقلال، دون غموض ولا إبهام، وفِي الوقت ذاته يحشد ماريانو راخوي، رئيس الحكومة المركزية، الأغلبية المطمئنة من أجل هذه المواجهة، عن طريق تواصله المستمر مع باقي الفرقاء.

وقد إتفق مع بيدور سانشيز، رئيس الحزب الاشتراكي، على طريقة العمل، بالمضي في تفعيل مقتضيات الدستور في حالة تأكيد رئيس حكومة كاتالونيا إعلانه الإستقلال، بالإضافة الى توافقهما على تعديل الدستور فيما بعد. والمشاورات نفسها أطلقها مع ألبير ريفيرا، رئيس حزب المواطنة “سيودادانس”، ولا يجد مشقة لإقناع الأخير؛ فهو من المطالبين والمؤيدين جهارا بتطبيق المادة 155من الدستور، والمرور إلى إنتخابات برلمانية جديدة في الإقليم.

وغالب الاحتمال أن الحكومة المركزية ستتخذ إجراءات صارمة بتعليق الحكم الذاتي في كاتالونيا والحلول محل الحكومة المستقلة في تسييره، ومن أجله إستبقت ذلك بتوجيه مذكرة إلى رئيس حكومة كاتالونيا كارلس بويجديمونت تحثه على الإضطلاع بالتزاماته، وتصحيح الأمر وإسترجاع الوضع الدستوري، لأن ذلك يشكل خطرا على تعايش الإسبان.

وتنص المادة 155 من الدستور على أنه إذا لم تنفذ جماعة مستقلة الإلتزامات الدستورية أو قوانين أخرى مفروضة عليها، أو تتصرف بشكل خطير على المصلحة العليا لإسبانيا، فإن الحكومة وبعد مطالبة رئيس الحكومة المحلية وفِي حالة عدم الإستجابة، وبموافقة أغلبية أعضاء مجلس الشيوخ، يمكنها إتخاذ التدابير الضرورية لإجبارها على تنفيذ تلك الالتزامات أو لحماية المصلحة العامة. ولتنفيذ تلك التدابير، فإن الحكومة توجه التعليمات إلى كافة السلطات في الأقاليم المستقلة ذاتيا.

وتمضي الحكومة المركزية في مدريد إلى إكراه الحكومة المحلية في كاتالونيا للعودة إلى الوضع الدستوري، وتنفذ مقتضيات الدستور بدقة، وحددت عتبة لرئيس حكومتها كارلي بودجمونت ينتهي في العاشرة من صباح يوم الاثنين 16 أكتوبر 2017.

وصدر عن الأخير تصريح قبل حلول الموعد في ذكرى السبعين لإعدام لويس كومباني، رئيس كاتالونيا السابق، (1934)، يزيد به في الغموض، حيث إعتبر بودجيمنت أن السلام والديمقراطية محددان للقرار الذي سيتخذه؛ فالسلام يرمز به العودة إلى الوضع الدستوري، بينما الديمقراطية يحيل بها إلى إحترام نتيجة الإستفتاء كآلية دستورية وتقريرية للتعبير عن الإرادة بشكل ديمقراطي، وقد يستمر عمدا في إعتماد الغموض في جوابه أو عدم الجواب أصلا.

أما العتبة الثانية فهي محددة في يوم الخميس 19 أكتوبر 2017 لإصلاح الوضع وإحترام الإلتزامات الدستورية، وفِي حالة عدم الوفاء، وهو أغلب الظن الظاهر فإن الحكومة المركزية ستلجأ الى مجلس الشيوخ بواسطة طلب وفقا للمادة 189 من القانون الداخلي للمجلس من أجل الحصول على مصادقته على الصلاحيات التي ترغب في توليها وحدودها. كما أن الحكومة تملك أهلية إعلان حالات الطوارئ والإستثناء ومنع التجوال وفقا للمادة 116 من الدستور.

ولا شك في أن الحكومة المركزية في مدريد لن تتردد في إستعمال كل تلك الصلاحيات من أجل حماية مرتكز الدستور الإسباني القائم على قاعدة الوحدة غير القابلة لتجزئة الأمة الإسبانية كوطن مشترك لكل الإسبان غير القابل للتقسيم، كما يضمن الدستور حق الحكم الذاتي للقوميات والجهات التي تؤلفه والتضامن بينهم جميعا (المادة الثانية).

وهذه الشرعية القانونية التي سيتبعها راخوي حتى النهاية يرمي بها تحقيق غاية سياسية أخرى لإستنهاض الأغلبية الصامتة وتحسيسها ورفع وعيها بالمخاطر التي ستواجهها إن لم تقطع الطريق في صناديق الإقتراع على الأحزاب القومية الانفصالية (كوب بوديموس واليسار الجمهوري)؛ وهي شرعية معززة برفض الإتحاد الأوروبي لهذا الإستقلال، حيث رفض جون كلود جانكير، رئيس المفوضية، ذلك، وفي الرفض صادر عن البرلمان الأوروبي، وتطابق وصفهم للأمر بأنه شأن داخلي إسباني، وبأن كاتالونيا ستجد نفسها خارج الإتحاد الأوروبي. غير أن دعاة الإنفصال يراهنون بدورهم على شرعية الشارع، لتبقى كل الإحتمالات واردة بما فيها إستعمال ردع العنف.

*محام، خبير في القانون الدولي، الهجرة ونزاع الصحراء ....



رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://choroknews24.com/news5040.html
نشر الخبر : admin
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : التعليقات ()
طباعة الصفحة
التعليقات ()
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. <br /> وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.