إسماعيل حمودي يكتب : عقلية انقلابية !!

0 46
Advertisement

الصادم في مشروع قانون «تكميم الأفواه» ليس مقتضياته التسلطية إلى درجة الوقاحة، والتي رفضها المجلس الحكومي بدوره بصيغة ملطفة حين أعاد المشروع إلى لجنة تقنية ثم لجنة وزارية ، لكن المشكل يكمن في العمق، وتحديدا في تلك العقلية الإنقلابية والتسلطية التي كتبت مشروع القانون، وتعيش بيننا، بل وتتقلد موقع المسؤولية في الحكومة أو على ضفافها.

إن السؤال الذي ينبغي الوقوف عنده هو التالي: كيف يمكن أمثال هؤلاء أن يكونوا موجودين بيننا وفي موقع المسؤولية بعد دستور 2011 ؟ كيف يسمحون لأنفسهم بالإستمرار في التفكير وفق الطريقة البعثية الدموية، وأن يُسخّروا موقعهم في مراكز السلطة للإنتقام والتسلط على المغاربة ؟
وفي سؤال موجز: من أين لهم بكل هذه الوقاحة ؟

لقد إنقلبوا على الدستور، الذي جعل من الإختيار الديمقراطي ثابتا من الثوابت الوطنية، إلى جانب الملكية والإسلام والوحدة الترابية، والذي حصّن، في الفصل 175 منه كذلك، المكتسبات في مجال الحقوق والحريات من أي مراجعة، إلى جانب الأحكام المتعلقة بالدين الإسلامي، وبالنظام الملكي للدولة، وبالإختيار الديمقراطي كذلك. ومعلوم أن حرية الفكر والرأي والتعبير من الحقوق الأساسية التي ورد تأكيدها في الفصل 25 من الدستور نفسه.

كما إنقلبوا على إلتزامات المغرب الدولية، وخصوصا المعاهدات والإتفاقيات الأساسية لحقوق الإنسان، التي صادق عليها المغرب وإلتزم بها أمام العالم، بل مافتئ يسوّق نفسه لهذا العالم بإعتباره البلد الأكثر ديمقراطية وحرية في المنطقة. وبإسم الإختيار الديمقراطي والجهوية والحكم الذاتي ودستور الحقوق والحريات، إقترح تسوية قضية الوحدة الترابية ولايزال.
لكن، يبدو أن من كتب مشروع القانون أراد الإنقلاب على ذلك التصور كله، وضرب كل الجهود الوطنية أمام العالم للحفاظ على وحدتنا الترابية في الصفر، لا لشيء سوى لأنه تصور الفرصة سانحة لكي يجهز على الحقوق والحريات، وأساسا لكي ينتقم، ويوسّع من سلطاته أكثر.

بل إن الذين كتبوا هذا المشروع القانون إنقلبوا على مكتسبات المسار السياسي والديمقراطي التي تحققت طيلة 20 سنة المنصرمة من حكم الملك محمد السادس، هذا الملك الذي طوى في بداية حكمه عهدا إستبداديا من خلال تجربة الإنصاف والمصالحة، وطالما أكد في خطبه إنحيازه الصريح إلى المشروع الديمقراطي، وصادق على مشروع الدستور الذي إرتقى بالإختيار الديمقراطي إلى مصاف الثوابت الوطنية، كما سبقت الإشارة إلى ذلك.

يحز في النفس أن الذي قُدّم مشروع القانون بإسمه وزير ينتمي إلى حزب عريق هو الإتحاد الإشتراكي، ذلك الحزب الذي تزعم النضال من أجل الحرية والحداثة عقودا طويلة، بل قدم للشعب المغربي مفكرين كبارا وطّنوا الحرية والحداثة في الفكر المغربي، بل قدّم قادة كبارا أيضا، أمثال عبد الرحمان اليوسفي، الذي يصفه الكثيرون بأنه القائد الأول للحقوق والحريات في منطقتنا المغاربية والعربية. إنه لمن العار أن يُقزَّم دور الإتحاد الاشتراكي إلى الحد الذي ينقلب فيه على هويته التاريخية، ويصبح مجرد بيدق صغير في يد المصالح البورجوازية لبعض قيادات التجمع الوطني للأحرار أو من يلف لفّهم.

إني أحاول، منذ إطلاعي على مشروع القانون، تفكيك العقلية التي كتبته، فمن حيث مضامين المواد، نحن إزاء قانون جنائي خاص بالأنترنت، تطفح منه روح السلطوية والإستبداد، اختار كاتبوه السير وفق النهج الروسي والصيني والإيراني في تنظيم حرية الأنترنت، وهي دول لم تكن يوم ما مرجعا للمغرب في مجال تنظيم الحقوق والحريات، علما أنها دول إختارت بكل وضوح عزل أنترنت بلادها عن العالم، كما هو الحال بالنسبة إلى التجربة الصينية، التي أغرت روسيا بالسير في الإتجاه نفسه منذ تبنيها قانون «الأنترنت السيادي» قبل عام تقريبا.

لكن، لا يبدو أن المغرب يتوفر على القدرات التي تسمح له بعزل الأنترنت عن العالم، فهو لا يملك القدرات التقنية والتكنولوجية اللازمة لذلك، ورغم أن كاتبي مشروع القانون على معرفة بهذه الحقيقة، فإنهم إختاروا السير وفق المنطق السلطوي، ربما إرضاء للوزير حفيظ العلمي الذي صرّح يوما بأنه لو تبنى المغرب الديكتاتورية لتطور بسرعة، كما لو أن هذا المغرب كان ينعم في جنات الحريات المطلقة منذ إستقلاله عن فرنسا قبل عقود من الزمن، وكأنه لم يعش معنا تجربة الإنصاف والمصالحة وهي تحاول لملمة الجراح التي نكأتها السلطوية في زمن مضى.

بما أن كاتبي مشروع القانون يعرفون أن تنظيم الأنترنت يتطلب إمتلاك القدرة والإرادة السياسية لكبح جماح الشركات، من مزودي خدمات الأنترنت، بغرض حماية المصالح الوطنية وحماية المواطنين كذلك من شرورها المفترضة، فقد فضلوا الحل الأسهل، أي التوجه إلى المواطن/المستهلك فقط، ليس لحمايته، بل للإنتقام منه وخنق حرياته، لا لشيء إلا لأنه بات قادرا على إستخدام الأنترنت للدفاع عن حقوقه وحرياته التي تهدر، أحيانا، دون مبرر مقنع، بل خارج روح الدستور ومقتضيات القانون.

نحن، إذن، أمام عقلية عاجزة، إنتقامية، سلطوية، إنقلابية، لا تؤمن بدستور ولا بقانون. إنها لا تؤمن بالإنسان المكرم، بل تؤمن بالمصالح فقط، وهي مستعدة لخنق هذا الإنسان لحماية مصالحها، مادية كانت أم معنوية، بل وتسخير مواقعها في مؤسسات الدولة من أجل تحقيق أحلامها الفظيعة، لكن أنى يكون لها ذلك.

Advertisement

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

+ 64 = 67