الجريمة والعقاب…

Advertisement

لم يكن فيدور ميخائيلوفيتش دوستويفسكي، يعرف أنه مجرم حرب، وأن إيطاليا ستُجرِّمُه وتُعاقبه على حرب لا يدَ له فيها، سوى أنه روسي، وأنَّ الموت لاينفي على أحد إنتماءه حتَّى وهو تحت التراب، رغم أن دوستويفسكي، لم يعد مواطناً روسياً، بل هو مواطن عالمي، بهوية كونية، يتكلَّم كل اللغات، وهي اللغات نفسها التي يقرؤه بها الجميع، في ما تركه خلفه من أعمال روائية عظيمة.

إيطاليا، حين أقدمت إحدى جامعاتها على حذف أعمال دوستويفسكي من مقرراتها، فهي نظرت إليه بنفس ما نظر به فيدور في رواية «الجريمة والعقاب»، إلى راسكولنيكوف، لفهم الطبيعة المركبة والمعقدة لشخصيته، بل لشخصية الإنسان، وما يكمن فيها من دوافع، تجبره، دون وعي منه، على إقتراف ما يمكن أن يرتكبه من جرائم، حتَّى دون أن تكون مُبرَّرة، أو تجري بحافز ما.

لعلَّ دوستويفسكي، كان يتكلَّم عن الإنسان، ذلك المجهول الذي مهما عرفناه، يبقى لغزاً ومشكلة، أو كما قال أبو حيان التوحيدي، فيما يؤكِّد هذا المعنى بقرون قبل دوستويفسكي وغيره، «الإنسان أشْكَل عليه الإنسان».

هل راسكولنيكوف، بالمعنى المُجرَّد، هو نفسه الإنسان، بل كل الناس، بكل ما فيهم من غموض، وما يكمن في كل واحد منهم من شر وخير، وأن الشّر، ربما، هو ما يطفو على سلوكات هذا الإنسان، متى نسي أنه يعيش بين الناس، وأنه جزء من مجتمع له نظمه وقوانينه، وله أعرافه التي تنأى به عن الغابة، وهو مجتمع ثقافة، ومجتمع شرائع، ومجتمع عمران لا خراب. وهل كان دوستويفسكي، وهو يخلق هذه الشخصية، يبنيها بكل ما ستعيشه في الرواية من حالات وأوضاع، وما ستمثله من تعقيد وإشتباك وإرتباك، يفكر في قولة سقراط التي إستقاها من مدخل معبد دلفي «اعرف نفسك بنفسك»؟

ثم هل الجامعة الإيطالية التي طردت دوستويفسكي، فكَّرت في أن دوستويفسكي، إذا قرأه طلابها وباحثوها، ومن يُدَرِّسُه من أساتذة، بشكل جيد وعميق، كان العين التي إستطاعت أن ترى في المجتمع الروسي، ما يعكس صورة الإنسان، ليس في هذا المجتمع، فقط، بل في كل المجتمعات، وأنه لم يكن يعنيه أن تحدث جريمة في حق امرأة عجوز، ولا أن يعيش ما عاشه القاتل من تقلُّبات في نفسه، وفي ذاته، وفي ما إعتراه من تعب وخوف، أو من رغبة في التَّخفِّي، وفي العودة إلى ما قبل الجريمة، وفهم ما دفعه لإقترافها، ما فكَّر فيه تيودور، هو المرآة التي فيها كان يقرأ الإنسان، في منأًى عن هويته، يمكنه أن يكون إيطالياً، أو أوكرانياً، كما يمكن أن يكون روسيا، أو أمريكيا أو فرنسيا، أو من دول حلف الناتو، لا فرق، لأنه، ببساطة، هو نفسه الإنسان، وهو يرتكب جرائمه، ويسعى لتسويغها، أو للبحث عن الماء الذي فيه يغسل ما علق بيديه من دماء.

الثقافة والفكر والفن والإبداع، كانت دائما في مرمى الرصاص. لم ينج القلم من طعنات السيف، وكم من الكُتَّاب والفنانين والمبدعين قُتِلوا، لا لشيء، إلا لأنهم، مثل دوستويفسكي، فضحوا ما يجري في مجتمعاتهم، صرخوا في داخلهم، بخيالات وعقول وأفكار، إحتجاجاً على إنهيار القِيَم، أو على تحريف وتزوير الوجود، بالقراءات الفاسدة التي تُبرِّر الجريمة، ليفلت فاعلها من العقاب. أمريكا، مثلاً، لماذا حين غزت العراق، لم تجد من يمنع كُتَّابها من الدخول إلى الجامعات، أو أن يُشارك فنانوها في المهرجانات الثقافية والفنية، بنفس ما به حاكمت إيطاليا وغيرها الكُتَّاب والفنانين الروس؟ من عاقَبَ إسرائيل على ما إرتكبته من جرائم، ومن قتل وتنكيل، وغَصْب للأراضي والبيوت، وقتل للأطفال، ومن تجريف للحقول، أو أدانها. دائماً كانت أمريكا تحميها، وتمنع عنها العقاب، رغم آثار الجريمة.

في لحظة من لحظات الحوار بين الضابط والطالب، بعد أن لعبا البلياردو، وجلسا يحتسيان القهوة، وكان راسكولنيكوف يستمع إليهما، أجاب الطالب الضابط:
«نظام الطبيعة، يا أخي، يمكن تقويمه وتوجيهه، وإلا غرقنا في الأوهام والأباطيل. ثم إنه بدون ذلك لا يمكن أن يكون إنسان عظيم واحد. يقولون «الواجب والضمير» ـ وأنا لا أعترض بشيء على الواجب والضمير، ولكن يجب أولاً أن نتَّفق على معاني الألفاظ».
في هذا المعنى بالذات، يحدث الانشقاق والانفصال، ونشرع في التأويل، وفي التبرير، وتصبح الجريمة بدون عقاب، أو العقاب بدون جريمة، لا فرق، في مثل ما نراه من انقلاب في المعاني والقيم.

Advertisement
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.