“العيطة”… فن مغربي شعبي قديم عانى الإحتقار عقودا !! غناؤه عبارة عن مناداة للأسلاف… وأستُعمل في مقاومة الإستعمار الفرنسي !!

Advertisement

نوفل الشرقاوي ..

رغم كونه يشكّل واحداً من أهم الفنون النابعة من الثقافة الريفيَّة، وأهم وسيلة فنيَّة استُخدمت لمقاومة الإحتلال الفرنسي للمغرب (1956-1912)، فإن فن “العيطة” الشعبي عانى عقوداً الإقصاء والإحتقار، باعتباره فناً نابعاً من عمق الريف، الذي عانت ثقافته عموماً الإقصاء، في وقت كان يُولى فيه الإهتمام إلى الفنون الحضريَّة فقط، إضافة إلى النظرة الدونيَّة التي إرتبطت بذلك الفن، التي كرَّست الصورة النمطيَّة لـ”الشيخات” (مغنيات فن العيطة)، بإعتبارهن مهمّشات دفعت بهن ظروفهن الإجتماعيَّة إلى الخروج على الإطار الأخلاقي للمجتمع المغربي، بإمتهان الدعارة وإعتماد حياة المجون.
ويعود أصل كلمة “عيطة” في العاميَّة المغربيَّة إلى “العياط”، وتعني النداء والإستغاثة بصوت عالٍ، وبالتالي عندما يغني شيوخ فن العيطة كأنهم ينادون على أسلافهم من أجل مد يد العون إليهم والتبرُّك بهم، كما شكّل ذلك الفن إطاراً تعبيرياً عن الواقع القروي البسيط ومعاناته في بنيَّة جغرافيَّة تعاني الإقصاء وصعوبة العيش.

شعرٌ شفهيٌّ …

ظلّ فن “العيطة” حقبة زمنيَّة طويلة تراثاً شعرياً وموسيقياً شفوياً، ولم يولَ الإهتمام والتدوين إلا بدءاً من ثمانينيات القرن الـ20. ويصف الكاتب المغربي حسن نجمي الذي يُعدّ أهم الباحثين في هذا المجال في كتابه “غناء العيطة الشعر الشفوي والموسيقى التقليديَّة في المغرب”، فن العيطة بأنه “ذلك النفس الساخن الصاعد من الدواخل، عبر الأصوات البشريَّة والإيقاعات والألحان الآسرة، هو الذي أسعف على ميلاد شعر شفوي ظل يخرج من الجراح الفرديَّة والجماعيَّة مثل النزف الدافئ، ويلتصق بذوات وبمصائر الفلاحين والمزارعين والرعاة، والقرويين عموماً، المنحدرين من ذاكرة عميقة ومن سلالات عربيَّة لها تاريخ بعيد، مهمل، مكبوت ومسكوت عنه”.
كما يعتبر حسن نجمي أن “شعر العيطة هو فجر الشعر العربي بالمغرب”، وذلك على الرغم من أن تاريخ الشعر في المغرب ما زال لم يُكتب حتى الآن بالمعنى الدقيق لتاريخ الآداب والفنون. كما أن ما كُتب منه جزئي، ولم يول الإهتمام إلا لبعض مكونات الفن المغربي القديم، مهملاً مكونات أخرى، إمَّا شفويَّة وإمَّا مكتوبة بغير اللغة العربيَّة الفصحى.

ممارسة وظيفيَّة …

وخلص نجمي إلى أنه من “حظ” فن العيطة أنه ظل تراثاً شعرياً وغنائياً وموسيقياً شفوياً، فلم يحدث أي إنزلاق لتكوينه الشفوي باتجاه المكتوب، وتتجلى شفويَّة العيطة، حسب الباحث، في كونها “ممارسة فنيَّة وظيفيَّة داخل المجتمع القبلي، تلقائيَّة وعفويَّة، توارثتها وتناقلتها الأجيال، ولا يُعرف حتى مؤلفها الشعري والموسيقي، كما أنها تتسم بالبساطة على مستوى التأليف الشعري والموسيقي، من دون أن تعني تلك البساطة انعدام أي معرفة جماليَّة أو تركيب فني”، ورغم أن “البُعد الشفوي في الشعر بالخصوص يظل قوة من حيث التلقائيَّة وطزاجة التعبير وجماليَّة الإرتجال، إلا أن حرمان العيطة مع ذلك من (إمتياز) التدوين، يجعل من نقطة القوة تلك نقطة ضعف في الوقت ذاته، فحيث يطغى منطق الذاكرة بدلاً من منطق الكتابة يسود النسيان، بإعتبار أن مؤلفي فن العيطة لم يتمكنوا بحكم خصائص شفويَّة ولإعتبارات ثقافيَّة وتاريخيَّة معينة، من إدراج إبداعاتهم ضمن حركة تراكميَّة تضمن التواصل والإمتداد والشمول”.
ويعتبر نجمي أن “العيطة كموسيقى تقليديَّة لم تُؤخذ على محمل الجد حتى في الدراسات الموسيقيَّة الحديثة والمعاصرة، حيث كان لها على الدوام مكان الهامش، رغم كونها حظيت في كتب الرحلات الغربيَّة إلى المغرب وفي المؤلفات الإستعماريَّة الفرنسيَّة بإشارات ملحوظة، لا باعتبارها تعبيراً موسيقياً، إنما بوصفها ظاهرة اجتماعيَّة متعلقة بالوضع الإعتباري المخدوش للنساء (الشيخات) اللائي يغنين ويرقصن”.

تاريخٌ غير مُورّخ …

في الوقت الذي يُجمع فيه الباحثون في فن العيطة على كون هذا التعبير الفني ضارباً في قدم تاريخ الحضارة المغربيَّة العريقة، إلا أن أحداً لم يتمكّن من تحديد الحقبة التاريخيَّة التي إنطلق فيها، نظراً إلى كونه تعبيراً فنياً شفاهياً بالأساس.
ويعتبر حسن نجمي أن فن العيطة بشقيه الشعري والموسيقى “ظل بلا تاريخ مكتوب”، حاله حال فنون عدة، “وعدم وجود ذلك التاريخ المكتوب لا يعني أن هذا التاريخ لم يكن موجوداً فعلياً، خصوصاً في إطار محدوديَّة الإمكانات التي توفرها المصادر الرسميَّة لتاريخ المغرب”، بإعتبار أن المؤرخين المغاربة القدماء، شأنهم شأن مؤرخي كل من الأندلس والمشرق العربي، كانوا يعانون بدورهم “نزعة سُمُوِّ التدوين التي كانت ترى أن المكتوب لا ينبغي أن يتضمن، مبدئياً، إلا اللغة العربيَّة الصافيَّة”.

تحقيرٌ تاريخيٌّ لفنٍ مقاومٍ ..

إن للنظرة الدونيَّة التي طبعت فن العيطة أساساً تاريخياً، بإعتبار أن المستعمر عمل جاهداً على طمس الهويَّة المغربيَّة بشكل عام، كما عمل على محاولة إسكات أصوات فناني العيطة الذين إستعملوا ذلك الفن في المقاومة، وذلك عبر بث رسائل مشفرة لا يفهمها إلا المقاومون.
ويعتبر الناقد والكاتب المغربي سعيد فرحاوي أنه “نظراً إلى قوة الصوت الغنائي في العيطة، والإستجابة القويَّة للإنسان المغربي إلى هذا الشكل الثراثي الحاضر في الوجدان الإنساني، ظلت الشيخة نموذجاً ضرورياً في هذا الإبداع المميز، كانت قادرة على إرسال الخطاب بلغة مشفّرة لا يفهمها إلا أهل القبيلة، يتحوَّل المضمون مرمزاً بتواصل نضالي خاص، وهو عامل رئيس حاول الإستعمار مستعيناً بخونة مرافقين له على رأسهم الباشا والقايد، طمس هويَّة هذا الشكل التعبيري وتهميشه في الثقافة المغربيَّة. وإستغل الإستعمار إنتماء الشيخة إلى وسط مهمش، على أساس أنها كانت متمردة على النمط الأسري، إضافة إلى كون جلّ الشيخات في هذه المرحلة إمَّا أرامل وإمَّا مطلقات وإمَّا نساء تجاوزهن سن الزواج، وفي الغالب كن لا يتقنَ الكتابة والقراءة، إلى جانب كون الشيخ في الغالب راعي غنم، كل تلك العوامل سهَّلت من مهمة الإستعمار في إبتذال مفهوم الشيخة وتحقيرها والحط من العيطة، وجعلها حكراً على أوكار الدعارة، إلى جانب أن الباشوات والقواد كانوا يتباهون بإمتلاكهم الشيخات، لكن رغم كل ذلك ظلت حناجر جميلة تتغنى بالمقاومة وتحميس الفدائيين على القيام بدورهم النضالي لإسترجاع الإستقلال إلى الوطن، لعل عيطة خربوشة والشجعان خير نموذج لتقريب الرؤيَّة”.

إقصاء الثقافة الشعبيَّة …

وشكَّل إستحواذ النخب السياسيَّة المقبلة من المدن العريقة، وبالأخص من مدينة فاس، عقوداً على المناصب الساميَّة في الدولة إلى إقصاء الثقافة البدويَّة وإحتقارها، وإعتبار ثقافة المدن العريقة هي التي يجب أن تسود في كامل البلاد.
وبالتالي هُمّشت الثقافة البدويَّة في المناهج التعليميَّة ووسائل الإعلام، ومن جانب آخر زادت الصورة النمطيَّة لفنانات العيطة المرتبطة بالإنحراف الأخلاقي، من النظرة الدونيَّة لذلك الفن، وبالتالي أسهم خلال فترة معينة في عدم اهتمام المواطن العادي بذلك التراث. وأسهمت بالتالي كل تلك المعطيات في انحسار مجال “العيطة” في الأفراح والأعراس بالأرياف وبالملاهي الليليَّة في المدن.
ويعتبر حسن نجمي أن الصورة التي تشكَّلت عبر التاريخ عن الثقافة المغربيَّة لم تكن في حقيقتها إلا صورة مكوّن ثقافي منتصر على مكونات أخرى. ومع أن تلك “الثقافة المنتصرة” لم تكن ثقافة مكتملة ونهائيَّة، فقد أحيطت دائماً بـ”القداسة والتمجيد” في الخطابات السائدة، “ولم يُنظر إليها فرعاً ثقافياً يجب دمجه في نسق ثقافي مركّب العناصر قائماً على التعدد والاختلاف لا على الأحاديَّة والتجانس الخادع”.
وخلص الباحث إلى أنه “في هذا المناخ الثقافي القائم على نظام الخانات والتمايزات، وعلى تراتبيَّة في أشكال التعبير الفني والجمالي، لم يجد غناء العيطة وغيره في تاريخ الخطاب الثقافي في المغرب مَن يكتب عنه ولو جملة واحدة صريحة ومفيدة، وبالتالي لا يجب الاستغراب من ظهور الاهتمامات ببعض أشكال غناء العيطة في متن بعض الرحلات والبعثات الأوروبيَّة إلى المغرب، قبل الظهور في كتابات إعلاميَّة عدة خفيفة لبعض الفرنسيين ممن اهتموا بالأبعاد الغرائبيَّة في المجتمع المغربي خلال المرحلة الاستعماريَّة”.

Advertisement

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.