توفيق بوعشرين يكتب : خاطبوا العالم بلغة جديدة …

0 179
Advertisement

الدفاع عن قضية الصحراء في أوروبا وأمريكا وحتى إفريقيا يتطلب آلة دبلوماسية قوية وهجومية، لكن قبل هذا يحتاج الخطاب الدبلوماسي إلى ذكاء، وحججه القانونية إلى تحيين، ومرافعاته السياسية إلى تجديد، وخطابه الإعلامي إلى لغة عصرية ومعرفة دقيقة بطبيعة المخاطب وعقليته وثقافته ومنظوره لقضايا الوحدة والإنفصال وحقوق الإنسان وتقرير المصير…
دعونا في البداية نبعد من فوق الطاولة الخطاب القديم والتقليدي للدفاع عن قضية الصحراء، وهو خطاب في مجمله موجه للإستهلاك الإعلامي الداخلي.. خطاب نحت في أجواء الحرب التي كانت دائرة في رمال الصحراء في السبعينات والثمانينات، من مثل: «المغرب في صحرائه والصحراء في مغربها»، ومن مثل: «إرتباط القبائل الصحراوية بالبيعة لأمير المؤمنين»، ومن مثل: «البوليساريو جماعة مرتزقة باعت نفسها للجزائر»، ومن مثل: «إختراق القاعدة للبوليساريو»، ومن مثل: «إحتجاز الجزائر للصحراويين في مخيمات تندوف»…
هذا قاموس تقليدي لا ينفع في أوروبا وأمريكا، الذي يمكن أن يكون خطابا مقبولا وعقلانيا ومعززا بملفات ووثائق ودراسات وشهادات ولوبي قوي يسوقه هو الخطاب الذي يركز، أولا، على أن قضية الصحراء تاريخيا هي جزء من صراع إقليمي بين المغرب وليبيا القذافي أولا، وبين المغرب والجزائر ثانيا، وأن البوليساريو ولدت كحركة إحتجاج على إستعمار إسبانيا للصحراء، وبعد ذلك تحولت إلى حركة معارضة لإنتهاكات حقوق الإنسان في الصحراء، قبل أن تصير حركة إنفصالية بدعم من المخبول معمر القذافي، ثم جنرالات الجزائر الذين خرجوا مجروحي الكرامة من حرب الرمال، وكانوا يبحثون عن أي حصى يضعونها في الحذاء المغربي وحتى وإن لم تكن هناك قضية الصحراء في الجنوب كانوا سيخترعون قضايا أخرى للإنتقام من المغرب.
البوليساريو الآن حركة تطالب بالإنفصال، ونحن لا نعرف حجم تمثيليتها للصحراويين في مخيمات تندوف لأن الجزائر تمنع المفوضية الدولية للاجئين من إحصاء هؤلاء على أراضيها، ولهذا ينازع المغرب في الصفة التمثيلية للبوليساريو، لكننا نعرف أن حوالي ربع مليون صحراوي في المغرب، من الشمال إلى الجنوب، يعرفون أنفسهم كمغاربة، ويرفضون الإنفصال، ويشاركون في إنتخابات المدن والجهات والبرلمان، وفيهم وزراء وسفراء وعمال وولاة وتجار ومدراء كبار وصغار في الإدارة والقطاع الخاص. هؤلاء وغيرهم، وإن كان صوتهم غير مسموع، فلا يجب على العالم أن يتجاهلهم، أو أن يعتبر الإنفصال هو الأصل والوحدة هي الإستثناء. الذي يعبر عن رأيه السياسي بلا سلاح ولا ألغام ولا تحالف مع دول أخرى لا يمكن أن يعتبر أقل شأنا من الذي يحمل السلاح ويطوف حول العالم بحقائب الدولار الجزائري… الطرفان على قدم المساواة، فكيف نعرف رأي الصحراويين في تقرير مصير الإقليم ؟ بالاستفتاء ؟ نعم الإستفتاء واحدة من الآليات الممكنة في القانون الدولي لتقرير المصير، والمغرب قبل هذا المبدأ منذ أكثر من 30 سنة، لكن بعد أن بدأت الأمم المتحدة في إحصاء السكان وتسجيل من يحق له التصويت في الإستفتاء ومن لا يحق له، وصل الجميع إلى الباب المسدود، ولم نعرف كيف نحسم في الهيئة الناخبة لأن الصحراوي ليس عرقا ولا لغة ولا ديانة ولا مذهبا، هم قبائل كان الترحال نمط عيشهم. ومنذ أن إسترجع المغرب الصحراء قبل 40 سنة عرفت الأقاليم الجنوبية حركات دخول وخروج وإستقرار وتنقل كبيرة، فهل سنحرم شابا ولد في الصحراء منذ 30 سنة من أبوين ينحدران من مدينة سطات أو طنجة أو وجدة من التصويت في الصحراء على تقرير مصير الأرض التي ولد فيها بدعوى أن شيخ قبيلة لا يعرف أباه الذي إستقر في الصحراء قبل 30 سنة ؟ كيف نسمح لباراك أوباما أن يصير رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية رغم أن والده مسلم من إفريقيا نزح قبل عقود إلى أمريكا ؟ وكيف يسمح الغرب لعمدة روتردام بأن يصير حاكما لثاني مدينة في هولندا رغم أنه ولد في المغرب، وهاجر صغيرا إلى بلاد الأبقار والقشدة، ولا نسمح لمغربي ولد في العيون أو السمارة أو الداخلة بالتصويت لتقرير المصير في الصحراء ؟
أيها السادة، عندما وصل مشروع الإستفتاء إلى الباب المسدود، إلتزم المغرب، مع ذلك، بقرار مجلس الأمن القاضي بوقف إطلاق النار، والدخول في مفاوضات سلمية لإيجاد حل لقضية الصحراء، وهنا كانت الرباط منفتحة على مختلف الحلول، إلى أن جاء مشروع الحكم الذاتي الموسع، حيث لا تحتفظ الرباط سوى بالعَلم والعملة، والباقي كله مفتوح لأبناء المنطقة ليقرروا فيه عن طريق إنتخابات حرة ونزيهة وبمراقبة دولية، أليس الحكم الذاتي هو الآلية المعتمدة في كل أوربا لإدارة المناطق التي تنتعش فيها المطالب الانفصالية ؟… هذا المشروع مازال على الطاولة، والطرف الآخر هو الذي يرفض حتى مناقشته، وفي المقابل لا يطرح بديلا للخروج من النفق، وأكثر من هذا مازال يلوح بإحتمال العودة إلى حمل السلاح، فما العمل؟ هل الإعتراف له بدولة على الأراضي الجزائرية سيقربنا من الحل أم سيبعدنا عنه ؟ لقد جربت دول كثيرة الإعتراف بهذا الكيان، لكن رجعت جلها وسحبت إعترافها قناعة أو مناورة. الآن الملف في يد الأمم المتحدة، ومادام مجلس الأمن يجدد كل سنة توصياته لإيجاد حل لهذا النزاع الموروث عن الحرب الباردة فما على الجميع إلا الإنتظار…
هل المغرب جنة حقوق الإنسان ؟ الجواب : لا، هناك تجاوزات لحقوق الإنسان في الجنوب كما في الشمال، والدولة اعترفت بمسؤوليتها عن الإنتهاكات السابقة لحقوق الإنسان في الصحراء، ووضعت هيئة للإنصاف والمصالحة، وقامت هذه الأخيرة بتعويض الضحايا وعائلاتهم في الشمال كما في الجنوب، والآن تبذل السلطات الأمنية والإدارية، بمساعدة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، مجهودات معترفا بها من قبل جل المنظمات الدولية لحقوق الإنسان لتحسين مدونة سلوكها، حتى إن «أمنيستي» إتخذت من المغرب موضوعا للتركيز عليه في محاربة التعذيب هذه السنة، وفسرت ذلك بالقول إن المغرب بلد يملك مقومات أن يكون نموذجا في الجنوب لدولة على الطريق للتخلص من التعذيب الممنهج… هل الإعتراف بالجمهورية الصحراوية سيحسن من أوضاع حقوق الإنسان في الصحراء؟ العكس هو الذي سيقع، لأن هذا الإعتراف بالجمهورية الصحراوية من قبل السويد أو أية دولة أخرى سيشجع الشبان الإنفصاليين في الداخل على اللجوء أكثر إلى العنف والشغب، وهذا سيستفز السلطات الأمنية لترد بقوة.
هل المغرب يستغل ثروات المنطقة الجنوبية ويحرم السكان المحليين منها ؟ هذا غير صحيح، والدليل ليس كلام المسؤولين المغاربة فهم طرف، الدليل هو دراسة قانونية قام بها مكتب محاماة كبير في بريطانيا، وخلص إلى أن المغرب، مثلا، في موضوع الفوسفاط لا يستفيد شيئا من منجم بوكراع، وأن المناجم الكبيرة والمهمة هي تلك الموجودة في خريبكة، وأن المكتب الشريف للفوسفاط يبقي منجم بوكراع مفتوحا لأسباب إجتماعية وليست إقتصادية، وذلك ليحتفظ بمئات البيوت مفتوحة من وراء العمل فيه، وأن مصاريف منجم بوكراع أكثر من مداخيله… والذي يشكك في هذه الحقيقة ما عليه إلا أن يزور المنطقة، وأن يحقق في الأمر على الأرض لا في خطاب الدعاية الجزائرية…
بين أيدينا ملف قوي لكن المحامي ضعيف للأسف الشديد.

03/10/2015 …

Advertisement

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

39 + = 40