عن الهجرة غير النظامية إلى إيطاليا

Advertisement

لم تكن مبرمجة بالتأكيد ولكنها مصادفة جاءت في وقتها تماما.
في الوقت الذي تتسلم فيه جورجيا ميلوني مهامها رسميا رئيسة للحكومة الايطالية الجديدة الحكومة، الأكثر يمينية منذ الحرب العالمية الثانية، تحتضن روما ملتقى دوليا تحت عنوان «صرخة السلام» تنظمه جماعة «سانت إيجيديو» كانت قضية الهجرة أحد مواضيع جلساته المتعددة.
عرفت ميلوني زعيمة حزب «إخوة إيطاليا» القومي الفائزة في انتخابات الشهر الماضي، في إطار تحالف للأحزاب المحافظة، بمواقفها المتشددة في قضايا الهجرة، شأن أغلب الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا التي جعلت منذ سنوات من هذه القضايا وقودا دائما لحملاتها الانتخابية ولخطابها السياسي المناهض للأجانب بشكل عام.
جاءت الجلسة المخصصة للهجرة في هذا الملتقى الدولي السنوي وكأنها مخصصة للرد على ميلوني وتنبيهها من الآن أنه قد يكون من المناسب إعادة مراجعة مواقفها وسياستها المزمعة مع أن ذلك ليس بمثل هذه السهولة طبعا.
قبل وصولها إلى السلطة صرّحت ميلوني مرارا بأن من بين هذه القواعد التي ستعمل على إرسائها ما سبق لها أن أعلنته في بيان مشترك مع حلفائها من أنهم يرغبون في منع سفن الإنقاذ من الرسوّ على الموانئ الإيطالية لوقف «تهريب البشر» من إفريقيا، وهو ما اعتبر بمثابة عودة إلى فترة عامــــــي 2018 و2019، حين هيمن على السياسة الإيطالية وزير الداخلية آنـــــــــــذاك
ماتيو سالفيني، الذي تعهد بوقف «الغزو» فكان أن ظلت القوارب التي تحمـــــل مئات المهاجرين هائمة على وجهها تبحث عن الرسوّ في هذا الميناء أو ذاك فيما انهمكت الدول الأوروبية في التفاوض عن كيفية تقسيم وتوزيعهم.
لم تكتف ميلوني بذلك بل أعلنت عزمها إنشاء ما سمته «مهمة عسكرية أوروبية» لمواجهة موجات الهجرة غير الشرعية إلى إيطاليا، مع رغبة في التنسيق مع دول جنوب المتوسط لمنع قدوم هؤلاء بعد أن اتهمت سياسات الهجرة المعتمدة من بلادها لسنوات بأنها كانت «متساهلة للغاية» مما يهدد بتحويل بلادها إلى «مخيم للاجئين في أوروبا».

ولكل ما سبق، وغيره كثير، ينتظر أن تعمد ميلوني على غلق أبواب الهجرة بشكل تدريجي مما سيحوّل أنظار المهاجرين ربما إلى بلدان أوروبية أخرى سيقع عليها الحمل مثلما ما حصل لإسبانيا حين اعتمدت إيطاليا لفترة وجيزة سياسة معادية للهجرة مع حكومتها الشعبوية اليمينية قبل ثلاث سنوات.
في الجلسة المخصصة للهجرة تحدث الكاتب والصحافي الإيطالي ماركو داميلانو فسعى إلى تقديم مقاربة ذات بعد إنساني مختلفة تماما عما تُدفع إليه الأمور حوله وذلك حين رأى أن أمام بلاده «فرصة كبرى لتجاوز أنفسنا والالتقاء بالآخر وهي عملية يجب أن تفتح الابواب على مصراعيها، ودون ذلك لا عدالة ولا سلام». أما فابيو باكيو من حاضرة الفاتيكان فاستعرض ثلاث ركائز حظيت بالتوافق في الكنيسة تقوم على الدعوة الى تغيير النظرة إلى الهجرة من مجرد ظاهرة بالمعنى الكبير للكلمة إلى التعامل مع «أشخاص محددي الملامح لهم كرامتهم الإنسانية» مما يفرض شعورا بالتعاطف لأن «عدم المبالاة ليس خيارا»، داعيا إلى «تخطي كل الحواجز حتى نضمن ارساء سياسات هجرة عادلة وطويلة المدى بهدف بناء المستقبل مع هؤلاء المهاجرين بعيدا عن مشاعر القومية المغلقة».
وفي نفس الجلسة المخصصة للهجرة اعتبرت فالنتينا برينيس من جمعية «أوبن آرمس» المعنية بنجدة ومساعدة المهاجرين القادمين بحرا إلى أوروبا عدم التدخل لنجدة هؤلاء «جريمة» داعية إلى أن يتم القيام بذلك «دون أن نسألهم من أين أتوا ولماذا» مشيرة إلى أنه ومنذ عام 2017 تدفق نحو الشواطئ الأوروبية 680 ألف مهاجر مات منهم أو اختفى 2٪ أي 12 ألفا لهم أهلهم وعائلاتهم مما يكشف حجم المعاناة الإنسانية التي تخلّفها هذه الأحداث المؤلمة، مستذكرة مثلا ما حصل في الثالث من أكتوبر/ تشرين الأول عام 2013 حين مات 300 مهاجر غرقا دفعة واحدة. ومع أن المؤشرات لا تبدو مشجّعة إلا أن برينس دعت إلى وضع سياسات خاصة بالهجرة، في إيطاليا وأوروبا عموما، «تشجع الاندماج وتعترف بالخصوصيات» متمنية من حكومة ميلوني الجديدة أن تتبنى ذلك فعلا.
وما كان ممكنا الحديث عن الهجرة إلى إيطاليا تحديدا دون الحديث عن موجاتها المتكاثرة من تونس في الفترة الأخيرة عبر ما يسمى «قوارب الموت» التي بات تخاطر بركوبها عائلات بأكملها، شيوخا ونساء وأطفالا، حتى أن طفلة تونسية عمرها 4 سنوات لا غير وصلت وحيدة إلى الشواطئ الإيطالية دون باقي عائلتها الذين تقطعت بهم السبل في عرض البحر على ظهر مركب آخر.
تحدث في هذه الجلسة الصحافي والناشط الحقوقي التونسي صلاح الدين الجورشي الذي أشار إلى دراسة أخيرة تشير إلى رغبة 65٪ من التونسيين في الهجرة أغلبيتهم الساحقة من الشباب (90٪)، في ظل الاختناق الاجتماعي والسياسي الذي تعيشه البلاد حاليا، راويا قصة شاب تونسي، وبعد أن شيّع صديقين عزيزين غرقا في البحر في رحلة هجرة فاشلة، توجّه مباشرة في مساء نفس اليوم إلى ركوب قارب هجرة نحو إيطاليا!!.

كاتب وإعلامي تونسي

Advertisement
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.