فرصة الملك والأردن الأفضل والأخيرة …

Advertisement

مالك العثامنة …

(أعتذر عن الإطالات في السرد، لكنها ضرورة لم أستطع تجنبها، كما وأن هناك روابط لمقالات سابقة فيها استطراد أكثر تفصيلا للعبارات المحددة في المقال.)

كنت قد وصلت إلى الألف كلمة في مقال قبل هذا، بدأته بسردية مختلفة، لكن مقال السيد فهد الخيطان جعلني أتحسر على شطب الألف كلمة والبدء من جديد.

وفي مملكة المفاجآت والألف حدث وحدث، أخشى أن أجد أمامي أحداثا جديدة بعد نشر المقال تجعله قديما وغير صالح للقراءة، في ظل شح المعلومات وتعملق فقاعات الإشاعات وكثرة جنرالات الفيسبوك، وانتهاء مصداقية الصحافة الأردنية، وتلزيم عطاء “المعلومات الحصرية” لصحفي النخبة كما نقرأ في مقال فهد الخيطان.

(مثلا، ها قد أنهيت المقال صبيحة يوم الأحد 11 أبريل وبينما أراجعه قبل إرساله للمحرر في واشنطن تأتي صور إحتفالية المملكة بمئويتها وظهور الأمير حمزة بين الأمراء خلف الملك وولي عهده يقرأون الفاتحة في الأضرحة الملكية وجدل محتدم في مهزلة كل ما يحدث حول أقدمية الصورة وحداثتها!!).

أراقب من بعيد، أحاول قدر الإمكان الحصول على أي مفاتيح فهم للمستجدات المتوقعة والمنفجرة بتوالي عنقودي متسارع.

سنبدأ من مقال الزميل الخيطان، والذي يبدو أنه إستأنف حربا قديمة كانت توقفت عام 2010 كانت بين “المتهم حسب البيان الرسمي الأردني” باسم عوض الله ومدير المخابرات الأسبق محمد الذهبي ويمكن تلمس ذلك بتلك الشراسة في الصياغة التي حملها مقال الخيطان “رئيس مجلس إدارة قناة المملكة” والموجهة إلى خصم الأمس التاريخي باسم عوض الله، وذات مستوى الشراسة ضد الأمير ” وتلك دلالات خطيرة يحملها هذا التوجه”.

فوضى الإتهامات والخنادق تتشعب ولا تنتهي في الأردن المشروخ سياسيا وإجتماعيا وإقتصاديا وأفقيا وعموديا.

مثلا، أقرأ في تعليقات الهجوم على مقال الخيطان، وأغلبها من جماهير حوزة مظلومية الأمير التي بناها بأناة وبال طويل “ويبدو بدعم إقليمي شبحي وخفي” منذ أعفاه الملك من ولاية العهد عام 2004 ، تعليقا للسيد أحمد أبوغنيمة، وهو رجل ورث موقفه من الإخوان المسلمين عن والده الراحل زياد أبوغنيمة ” والراحل كان من الشخصيات المحترمة والجليلة من نخب المجتمع الأردني”.
هجوم السيد أبوغنيمة كان شرسا على الخيطان ، ويحمل نكهة معارضة ثورية تتهم نهج الحكم كله بالفساد.

أفكر قليلا وأتذكر :

عام 2018 ، كان السيد أحمد أبوغنيمة معنا في لقاء مغلق مع الملك عبدالله الثاني، ورغم أن غالبية الحضور تحدثوا بسقف مرتفع جدا مع الملك وناقشوه وجادلوه، إلا أن مداخلة السيد أبوغنيمة كانت مدهشة حد إدهاش الملك نفسه يومها، فالسيد أبوغنيمة إستهل بديباجة شكر لمكتب جلالة الملك الإعلامي وطاقمه المبدع حسب وصفه، ثم أطنب بمديح غير مسبوق وبلا مناسبة أو مقدمة أو رابط بحق رئيس مجلس الأعيان رئيس الوزراء الأسبق فيصل الفايز “ووصفه أمام الملك برجل الدولة الذي تحتاجه الدولة”!! والسيد الفايز هو أحد أهم رجال الملك ومن منظري النهج الذي يعارضه السيد أبوغنيمة الآن.

ليست قصة محشوة بلا معنى تلك، بل هي حيرة أشاركها الجميع لبيان تعقيد مآلات الدولة الأردنية التي تحولت في عهد الملك عبدالله الثاني من مشروع واعد لدولة مؤسسات، إلى ميدان صراع مراكز قوى، مرشح ليكون ميدان صراعات إقليمية حسب ما توحي به أحداث القضية الأخيرة.

حسنا، ما دمنا نتحدث عن رجال الملك، كان السيد باسم عوض الله أكثر رجال الملك أهمية ونفوذا وسطوة على كل مؤسسات الدولة، كان عوض الله ظل الملك على الأرض، وحين يشير عوض الله بيده، فالكل يدرك أنها صورة المرآة لسبابة الملك شخصيا.

لقد حارب الملك باقي نخب الحكم والرأي العام لمصلحة ونصرة مدير مكتبه ورئيس ديوانه وصنيعته الأقرب باسم عوض الله، واليوم نجد باسم عوض الله نفسه “مهندس نقل دافوس من سويسرا إلى البحر الميت ثم الصحراء السعودية” محبوسا بتهم “غامضة” ومقترنا مع الأمير شقيق الملك بإقلاق أمن الدولة، ومواقع إعلامية هي دكاكين مخابرات تنشر بتشفي قصصا مثيرة عن فطوره الأول في الحبس وكان بيضة مسلوقة !

لا أملك أن أنفي ولا أن أؤكد علاقة الأمير بباسم عوض الله، ولا أستبعدها حسب القرائن التي حاولت الحصول عليها من مصادر توزعت بين واشنطن وباريس ولندن وأبوظبي والدوحة وبيروت، لكن ولا مصدر من عاصمة الحدث كله عمان إستطاع أن يدلي ولو بخيط معلومة واحد، قبل أن تنتثر “الخيطان” فجأة في مقال واحد.

وموقفي من تحرك الأمير “كأردني” موقف الضد، لأني في المحصلة مع الدستور، والدستور واضح ويقول إن الملك هو الملك، تلك وظيفة محددة بالدستور وعبر أطول مادة فيه “المادة 28 “، وفيها تحدد ولاية العهد بصورة واضحة لا التباسات فيها.

طيب، فلنتحدث عن الدستور إذن، فهو واضح ويسمو على التباسات السياسة والصراعات فيها.

“أنا لست أبي”.. تلك العبارة التي بدأ بها الملك عبدالله الثاني “مهنته كملك” وارثا العرش ورئاسة الدولة عن والده الراحل، هي عبارة صادمة لوجدان شعب تعلق بمليكه الراحل لعقود طويلة حتى وصل إلى اعتباره يقينا الحل الوحيد لكل أزماته!

لكن الملك عبدالله الثاني كان منسجما مع نفسه وصادقا جدا في عبارته التي فصل نفسه فيها عن أي شبه أو تشبه بأبيه، لا من ناحية الملامح الجسدية والسلوك وحسب، بل حتى في منهجية الحكم في مهنته كملك.
نفذ الملك الجديد فور إعتلائه عرش المملكة وصيه أبيه “الذي قال إنه ليس هو” وكلف شقيقه الأمير حمزة بولاية عهده منذ اللحظة الأولى لممارسته تلك المهنة التي لم يتدرب عليها الملك الحالي فعليا، ولم يخضع لتأهيل مشابه لما مر به عمه الحسن من قبله، ولا شقيقه الأمير حمزة.

عام 2004 ، إرتأى الملك الذي أكد منذ البداية أنه “ليس كأبيه” أن يعفي شقيقه الأمير من ولاية العهد مسببا الإعفاء أن منصب ولي العهد يحد من حركة وحرية الأمير!!

(فعليا.. وبعد سنوات من الإعفاء تحرك الأمير بحرية أكثر مما توقع الملك وتمناه).

لكن الملك أضاف في رسالة الإعفاء ما كان صحيحا فعلا من ناحية دستورية حيث قال: (.. إما منصب ولي العهد فسيبقى موضع إهتمامي وعنايتي على هدي من الدستور).

عام 2009 ، وحين أصبح نجل الملك الأمير حسين مؤهلا بالمعرفة الكافية والمهارات اللازمة تم تعيينه وليا للعهد، مع أن الدستور يضعه وليا للعهد بالضرورة كأكبر أبناء الملك ما دام منصب ولي العهد شاغرا.

منذ لحظة إعفائه، كانت المرارة واضحة – وتلك قراءة شخصية مني لا أكثر- في رد الأمير حمزة، وهوأمير بالغ التهذيب وقد تجلت في رده برسالة على رسالة الملك بإعفائه والتي إستخدم فيها الآيات القرآنية مستهلا بها “طاعة ولي الأمر” كأمر رباني لذا فهو “يصدع” للأمر الملكي ويورد آية قرآنية يحاول فيها أن يترك إنطباعا بتزهده وترفعه الصوفي عن الحكم فأورد الآية التي تقول: (وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى).

وبقي الأمير بعدها يخدم ضابطا في القوات المسلحة، حتى تقاعده برتبة كبيرة جدا لا تتناسب وعمره “الأربعيني” لو لم يكن يحمل إمتياز الأمراء، لكنه بلا شك بقي يحمل مرارة عدم إستيعابه الشخصي لإعفائه من ولاية العهد.

تدخل الأمير حمزة مرات محدودة علنا في إنتقاد المشهد السياسي الأردني وبكلمات مهذبة وعامة لكنها قاسية تحدثت عن فساد منهجية الحكم، وتماهى الأمير “رغم عمومية تغريداته” مع الغضب الشعبي الذي تمثل بحراك عام 2011 أولا، ثم في الحراك الشعبي الأخير الذي تزامن مع جولات قررها الأمير وتم تصويرها وبثها “بعناية” على وسائل التواصل الإجتماعي بإصداراتها الأردنية، وفيها كان يلتقي مع عشائر أردنية في شمال البلاد وجنوبها وفي حادثة مستشفى السلط الأخيرة التي وقعت مارس الماضي، وقد كشفت عن حجم شراسة صراع مراكز القوى في الدولة الأردنية كثف الأمير تحركاته المدروسة بإحتراف ورغم قانون الدفاع الذي تم تفعيله لمواجهة وباء كورونا وتحقيق الحظر والتباعد الإجتماعي إلا أن الأمير قام بزيارة إجتماعية “مصورة طبعا” لمدينة السلط وتقديم واجب العزاء لضحايا الحادث المأساوي الذي هز الدولة الأردنية بكل مؤسساتها وأجبر رأس الدولة أن يظهر غضبه وربما إرتباكه عبر تساؤلات كان يطرحها بعد الحادث “الذي تدور حول إفتعاله الشبهات خصوصا مع معلومات واردة ان خزانات الأكسجين كانت ممتلئة بنسبة 20 في المئة”.

لكن في كل الأحوال، بسبب الإهمال أو بسبب إفتعال خبيث ومتعمد فإن الحادثة في السلط، كانت تجليا واضحا لحصاد آثام غياب دولة المؤسسات طوال عشرين سنة، وإعتماد منهجية الحكم على مزاجية شخصية للملك ورجال الملك.

وبلا شك، فإن زيارة الأمير – رغم قانون الدفاع الواضح- لذوي الضحايا كانت زيارة سياسية بإمتياز، تحمل – وأكرر أن هذا رأيي الشخصي- كل مواصفات المناكفة ورفع منسوب التحدي عند الأمير في وجه شقيقه الملك ” المحتد بعصبية من كل ما حدث” وفي وجه إبن أخيه الأمير حسين، ولي العهد الذي قام أيضا بزيارة لاحقة – رغم قانون الدفاع والحظر- لذوي الضحايا يقدم العزاء في ضحايا السلط، وفي بلد منكوب بجائحة فتحت بيوت العزاء فيه من شماله إلى جنوبه.

في ذات الوقت، كان رجال الملك (ومنهم إمتدادات باسم عوض الله نفسه) يحاصرون رأس الدولة الأردنية بتنسيبات منها الأمني البحت ومنها السياسي “المدعم بمعلومات أمنية” بضرورة إهمال الحراك في الشارع ونبذه من قبل الملك، تلك سياسة كانت واضحة حتى في لغة خطاب الملك حين يتحجث عن الحراك، وهو ما التقطه الشارع “المقهور أساسا” فازداد الاحتقان، والشرخ أفقيا وعموديا.

كان شباب الحراك عام 2011 يتحدثون عن ملكية دستورية، وحراك عام 2021 يتحدثون بنضج أكثر وغصب أكبر عن دولة دستور ومؤسسات وقانون.

تقريبا كل ما تحدث به هؤلاء، كان ذاته الذي كتبه الملك في أوراقه النقاشية، تلك الأوراق التي إحتفل بها رجال الملك بدون أن يطبقها أي منهم. ومؤسسة الفساد تكبر.. والفاسدون يكبرون، والفجوة بين الملك وشعبه تكبر أيضا.

الأمير، كان يتحرك في تلك الفجوة. تحرك غير دستوري بصيغة تسلل واضح.
لم تكن منافسة الأمير ومناكفاته التصعيدية منذ إعفائه عن ولاية العهد تستهدف شقيقه الملك مباشرة، بمعنى أنه لم يكن يوما يسعى لإنقلاب بأي شكل على شقيقه الملك صاحب العرش الدستوري.

كانت مناكفات الأمير حمزة موجهة بهدف ما يعتقد أنه حقه الشرعي في ولاية عهد شقيقه الملك، وإستطاع أن ينسج حوزات مظلوميته حتى وصلت الحالة في حراكات الغضب الشعبي الأخيرة بعد مأساة السلط أن ينادي به الناس في هتافاتهم كاستغاثة للإنقاذ.

ولاية العهد في الأردن، تشبه تعويذة فرعونية قديمة تصيب صاحبها “من الأشقاء” بالإزاحة.

فلنبدأ من عند الملك الراحل، حسين بن طلال.

“مهنتي كملك”، كان عنوان كتاب سيرة ذاتية للملك الراحل حسين وهو عنوان لافت يشرحه الملك الراحل نفسه محاولا أن يضع وصفا وظيفيا للمهنة المخملية التي يتطلب الحفاظ عليها مستقرة قلقا لا ينتهي، ولعل كتاب سيرة ذاتية للملك الراحل تم نشره عام 1962 في عنوانه دلالات أكثر على تلك المشقة فكان عنوانه “الرأس يستلقي غير مرتاح” وهو إقتباس بتصرف عن جملة شكسبيرية على لسان شخصية هنري الرابع تقول: الرأس الذي يحمل التاج يستلقي غير مرتاح”.

فعليا، كانت مهنة الملك حسين فعلا محفوفة بالمخاطر وقد عاشها الملك الراحل بطولها وعرضها ومات في نهايتها ملكا وقد رسم هو بنفسه جنازته الملكية المهيبة، ووضع التاج على رأس أكبر أبنائه عبدالله الثاني، بعد أن أزاح شقيقه الأمير حسن من تلك المهنة الملكية، لكن الملك الراحل والذي كان يعاني في ساعاته الأخيرة من أوجاع الجسد الذي غرق بالمسكنات المخدرة أوصى إبنه الأكبر بذات الوصية التي تجنب شقيقه تحملها، فأوصاه بأن يعهد بولاية العهد من بعده للأمير حمزة، وهو إبن الملك الراحل من زوجته الرابعة نور ( ليزا الحلبي)، وشقيق الملك الحالي.

الوصية طبعا وبلا شك غير دستورية، وهو الدستور الذي لم يستطع الملك الراحل خرقه أصلا في أيامه الأخيرة ولم يتمكن من تعديله بوقت مناسب لتأهيل “حمزة” وليا للعهد بلا تضارب مع الدستور.

الدستور واضح وحاسم والدساتير لا تحمل قلبا ولا عاطفة بل هي مجموع مصالح عامة يراها المشرع الدستوري، وعبدالله “الأمير” بالنص الدستوري الأصيل قبل التعديل وبعده هو ولي العهد.

الملك الراحل كانت شعبيته في ذروتها حين رحل، وبقي حتى اليوم “نداء إستغاثة مستحيل” عند الأردنيين، وتحولت أمنيته إلى أداة توظيف سياسي على يد إبنه الأمير حمزة، والذي حمل ملامح من والده – وهي ملامح حملها أيضا الأمراء هاشم وعلي وكذلك إخوة الملك محمد وحسن- وحملت تلك الملامح في شبه الوجه “ونبرة الحديث” أيضا الأميرات بنات الملك الراحل وشقيقته الوحيدة، لكن الأمير المفضل عند والده الراحل في أيامه الأخيرة وإبن الزوجة التي كانت إلى جانب سريره طوال الوقت تراقب وتدرس وتفحص “كل تفاصيل تدخل أو تخرج” غرفة الملك المريض والمتعب، تقمص والده بتدريب جيد، فإستلهم حركات الجسد ونبرة الصوت قدر الإمكان، وهي أدوات ربما قرأ فيها الأمير بديلا منطقيا عن الشرعية الدستورية من خلال الشعبية التي إستطاع فعلا أن يبنيها بهدوء وأناة وصبر منذ إعفائه عن ولاية العهد عام 2004 .

كان الأمير حمزة يحمل ميزة تفوق إضافية منذ رحيل والده وتولي شقيقه عبدالله مهنته “كملك”، وميزة التفوق تلك كانت أن “حمزة” تمت تنشئته وتربيته وتأهيله طوال سنين حياته ليكون “ملكا” وتم تفصيل شخصيته بكل معارفها ومهاراتها وسلوكها لتكون على مقاس العرش، تلك ميزة جعلته دوما في الأفضلية عند عقد المقارنات، وهي ميزة حملها أيضا عمه الأمير حسن، سلفه في ولاية العهد التي ملأ شاغرها أكثر من ثلاث عقود.

لكن، ميزة التفوق تلك، لم يستطع الأمير – الطموح جدا- إحتكارها طويلا!
كان عمر الأمير حسين بن عبدالله 5 سنوات حين مات جده الملك الراحل، وتولى والده العرش.

لكن حين أعفي عمه “حمزة” من ولاية العهد كان عمر الأمير الشاب 15 سنة، ويبدو أن إدراكا سريعا ومستعجلا بضرورة تنشئته وتأهيله وليا للعهد قد تم إتخاذ القرار فيها فدخل الأمير على صغر سنه ببرنامج تأهيل لمعارفه ومهاراته مدروس بعناية شديدة وصلت التدخل بتكثيف مساقات دراسية لديه في بعض سنواته الجامعية، وفي صيف 2009 كان الأمير مؤهلا ليشغر منصب ولي العهد.

التفوق لم يعد ميزة الآن، بل وتفوق الأمير حسين على عمه الأمير حمزة بنقطة إضافية لا يستطيع تغييرها أحد إلا الملك الجالس على العرش، وهي الشرعية الدستورية.

السباق المحموم على ولاية العهد زاد سخونة من طرف الأمير حمزة، حين ظهرت قصة تعطيل حكومة نتنياهو رحلة ولي العهد الشاب إلى القدس ليلة الإسراء والمعراج والصلاة في المسجد الأقصى. الرحلة بالغة التكثف في رمزياتها، الأمير ولي عهد العرش الهاشمي، وهو أيضا من أم فلسطينية يرفض إشتمال الرحلة على شروط نتنياهو فيلغيها من طرفه قبل أن يصل الجسر.

ذات الجسر الذي راقب نتنياهو من بعيد الإجتماعات عليه بين منافسيه في الإنتخابات ومسؤولين في الحكومة الأردنية.

الأردن، لم يطل رده، إستطاع أن يعطل رحلة نتنياهو إلى الإمارات (قيل بتنسيق مع الإمارات التي أرادت تجنب حرج التدخل في الإنتخابات).
تلك أحداث تقرأها وتقرأ تحليلاتها عبر الصحف والمواقع وقراءات تقدير الموقف من مراكز الأبحاث.

لكن ما لا يمكن قراءته وقتها كان تلك التحركات السرية والمخفية للأمير والتي تحظى بدعم إقليمي “حتى الآن غير واضح” لكن نائب رئيس وزراء المملكة الأردنية الهاشمية وزير خارجيتها أيمن الصفدي يحتل موقع الناطق باسم الدولة في الحدث الأخير ويتحدث بإسهاب ملقيا قنابل مفاجآته عن الأمير وباسم عوض الله وزعزعة الاستقرار في البلاد.

باسم عوض الله، صنيعة الملك عبدالله الثاني شخصيا، والذي أرسله للتنسيق مع السعوديين في مهمة مكوكية فانفصل “المكوك” عن المركبة الأم، وبقي في الرياض مستشارا مقربا للملك وولي عهده القوي محمد بن سلمان.

التخبط في إدارة الأزمة ” هي يمكن وصفها بأزمة، حدث جلل، هزة عنيفة، فوضى غير خلاقة لكن لا يمكن تسميتها إنقلابا”، كان بمجمله نموذجا مكثفا وتجليا واضحا لتخبط الإدارة في الدولة الأردنية.

إدارة أمنية بحت، وإختفاء محرج ومخجل للحكومة “صاحبة الولاية إفتراضا” إلا من حضور ساذج للناطق الرسمي الذي تم إستبعاد حضوره “الحكومي” فورا وإستبداله بوزير الخارجية لا ممثلا عن الحكومة في القضية بل كرمزية لحمل رسائل إقليمية موجهة للجوار “الغامض”، رسائل لم نعرف هل هي للجنوب السعودي أم للغرب الإسرائيلي!

رغم نفي مصدر سعودي من أي علاقة مع الحدث بل حتى مع باسم عوض الله، لكن الأنباء من عمان تحدثت عن أربع طائرات سعودية تحمل وزير خارجيتها ووفد أمني مرافق، والأنباء “المسربة بالتنقيط” تتحدث عن تمني سعودي برد الجميل وإعادة باسم عوض الله على طائرة إلى الرياض!
رد الجميل له حكاية طبعا تعود إلى “أزمة ريتز” السعودية قبل سنوات طالب بالإفراج عن رجل الأعمال صبيح المصري المحتجز في الرياض حينها.

المصري وعوض الله، لا يجمع بينهما “جنسية سعودية ممنوحة” وحسب بل هما رأس هرم قيادة أهم بنك أردني إقليمي وهو البنك العربي، وهو فعليا وطوال تاريخه منذ تأسيسه على يد عائلة شومان كان أكثر من بنك بكثير.

لكن، تشابك الجنسيات والهويات يصبح أكثر تعقيدا عندما نتوغل أكثر في شخصية برزت فجأة كاسم حاضر في قضية الأمير حمزة، وحاضرا عنه أيضا كما يقال كمحامي قانوني، وهي شخصية تثير الإلتباس بمجرد ذكر إسمها ونعني السيد “مالك بن ربيع دحلان”، والذي أورده فهد الخيطان في مقاله باسم الكنية “دحلان” بفخ تضليل ليس بريئا يحاول فيه بدخان تعمية أن يربط الأمير حمزة بأحد أكثر الشخصيات كرها في الشارع الأردني بمختلف أصوله وهو السيد محمد دحلان.

لا علاقة بين مالك دحلان، ومحمد دحلان، فالمحامي مالك دحلان هو حسب الوارد عنه من أشراف العائلة الهاشمية فرع “مكة – الحجاز” حيث ولد المحامي الشاب، لكنه يحمل الجنسية القطرية ومعظم أعماله القانونية المتشابكة والمعقدة موزعة بين نيويوروك ولندن والدوحة.

يقال – وهذا ما أكدته مصادر عدة- أن غالبية التسجيلات التي تم تسريبها عن الأمير حمزة (قبل وبعد بيعته الموقعة باسمه للملك وولي العهد) كانت عن طريق المحامي الهاشمي القطري خريج الجامعات الأردنية وصاحب مكتب قانوني يحمل اسم “قريش” المحامي مالك دحلان.

هذا إرباك هائل في الهويات والتبعيات والأجندات، خصوصا حين يتم ربط باسم عوض الله “بمنهجية يائسة حتى الآن” بقضية الأمير حمزة، وإلقاء ضوء اشتباه نحو السعودية بتلك الرابطة “العجيبة”.

تلك، تجعل لعبارة وردت في أول تصريح رسمي أردني معنى ومكانا للوجود بوصف العملية بأنها “مركبة ومعقدة”، وبصراحة مع تلك المعطيات التي تتكشف تباعا أجد الوصف صحيحا.

السيد مالك دحلان، رغم عدم إرتباطه بأي شكل مع السيد محمد دحلان الفلسطيني، إلا أن للمحامي المثير للجدل إضاءات حضور في تاريخه، وفي موضوع القضية الفلسطينية تحديدا، وبتحديد أكثر، فالرجل المتمكن بالعلم والمعرفة القانونية والعلاقات الدولية كتب في جريدة هآرتس مقالا يشبه مداخلة قبل سنة تقريبا وتم تعريفه ككاتب “سعودي” أستاذ للقانون الدولي بلندن وزميل بارز في “راند أوروبا” ومركز “ديفيس” بجامعة هارفارد.

في مداخلته – المقال، التي وجهها الرجل كنصيحة لمهندس صفقة القرن “جاريد كوشنر” إقترح دحلان “الهاشمي” بحل يتم طرحه عن حكم مدينة القدس، وإقترح هو أن يكون حكمها دوليا مع رعاية هاشمية وفلسطينية للأماكن المقدسة.

المحامي الشاب الذي يعتقد الأردن – وربما كان إعتقادا صحيحا- أنه محامي الأمير حمزة وهو أيضا محامي الملكة نور، والدة الأمير حمزة، له آراء مسموعة في الإعلام الأمريكي ومراكز البحث الرصينة والمؤثرة.

المعلومة الأكثر إثارة للدهشة والتفكير، أن المحامي الألمعي “وهو فعلا ألمعي وذكي وواسع الثقافة” وهو من يمثل الأمير حمزة والمشتبه به “بدون خرق للقانون” أنه المؤتمن على تسجيلات الأمير ومدير توزيعها الحصري، أيضا مقرب من الخارجية الأمريكية وبشكل قوي.

تلك معلومة تجعل “الإطمئنان الرسمي” الأردني بلا معنى من الموقف الأمريكي الرسمي، ولا أعتقد إلا أن الملك الأردني “العارف بكواليس السياسية في واشنطن” مدركا للعلاقات المضادة لتحالفاته الشخصية هناك.

يكفي أن نعرف مثلا أن المحامي مالك دحلان صاحب الرؤية المستجدة في “صفقة القرن الكوشنرية” لدور هاشمي برعاية دولية في القدس هو شريك في التأسيس لمعهد بروكنغز- الدوحة، وشريكه الآخر في التأسيس هو الأمريكي السيد هادي عمرو، مساعد وزير الخارجية لشؤون إسرائيل والأراضي الفلسطينية ( رئيس مكتب الشرق الأدنى).

هذا الكم من العلاقات لا ينفي أن مالك دحلان، أكثر من محامي، هو مثقف واسع المعرفة ومهتم بالفكرة “الهاشمية” والتاريخ “الحجازي” وقد ألف فيه كتابا باللغة الإنجليزية، وهما (الفكرة والتاريخ) الذي تعمل السعودية على كتم كل ما يتعلق بهما قدر الإمكان.

وتلك معطيات متشابكة وكثيرة التعقيد وعميقة جدا، لا يكفي ان توظفها بسذاجة مستخدما حيلة “اسم الكنية” لربط الأمير بمحمد دحلان في مقال مجمله تسريبات حصرية.

وفي المحصلة …

وكما أسلفنا فإن للراحل الملك حسين كتب سيرة ذاتية كانت عناوينها ذات دلالات رمزية مكثفة، سواء في الرأس الذي يستلقي غير مرتاح، أو في مهنته كملك التي عرض فيها الوصف الوظيفي لمهنة الملك عبر سيرته الشخصية.
المفارقة في الكتاب الذي كتبه الملك عبدالله الثاني وتم نشره عام ٢٠١١ ( العام نفسه مفارقة فرعية)، وكان عنوانه ( فرصتنا الأخيرة والأفضل).
ربما قصد الملك الفرصة للسلام في المنطقة، وقد عرض في متن كتابه معطيات وأحداث شخصية وسياسية وفرد من وجهة نظره على الطاولة شخصيات قريبة منه وأخرى بعيدة عنه.
لكن، لا أجد أمام كل ما قرأت إلا ان أستخدم نفس عنوان كتاب الملك عبدالله الثاني وأقول أنها ربما هي فرصته الأخيرة وقد لا تكون الأفضل لبناء دولة مؤسسات وقانون.

ولنكن أكثر دقة، ربما هي فرصته لإعادة البناء واستعادة الدولة التي توزعت كغنائم بين مراكز القوى ورجالات الملك.

ربما هي فرصة الملك الأخيرة ليكون هو صاحب الثورة وحامي الدستور في دولة تكاد تفقد مفهومها المؤسساتي ومواطنوها يشعرون بالتابعية أكثر من شعورهم بالمواطنة تحت وطأة فقر وقهر وحظر وقمع أمني واعتقالات وتكميم أفواه.
ربما هي فرصته الأخيرة لإعادة بناء مؤسسي، تستلزم هدم كل ما هو خارج الدستور وإستعادة المؤسسات الدستورية والعمل على تشريعات عاجلة تضمن إنتخابات تمثل المواطنين لا إنتخابات تعمل على “فلترتهم” بمزاج أمنى بحت.

ربما هي فرصته الأخيرة “وقد تكون الأفضل هنا” في تهيئة الدولة لولي عهده على العرش، عبر تحسين العرش بالدستور والقوانين، ووضع الولاية العامة في مكانها بين السلطات الثلاث.

هي فرصة الملك وفرصتنا الأخيرة للخروج من مأزق الثرثرة، والتخلص من كل هذا الفراغ السياسي والإعلامي الكريه واستعادة الوعي الجمعي الذي لن ينجر لهتافات تهتف بحياة الملك أمام مستشفى زهقت فيه أرواح أبرياء بسبب إهمال وغياب الدولة، ولا ينجر أيضا لفقاعات صوتية “يتم توظيف بعضها” تحصد في مشاهدات الفيديو على عشرات الآلاف من المتابعين، بينما لا يحصل تلفزيون المملكة المتعوب عليه ماليا والمدعوم ملكيا والبائس في المحتوى على ألف متابع، فيصبح الإعلام بكل ما فيه من فراغ الحشو الفارغ، خاصرة الدولة الرخوة والموجعة.

الفرصة قد تكمن في حلول سياسية حقيقية لا فذلكات فيها ولا حشو إنشائي، حلول لست انا من يبتكرها أو يدعي استحضارها، وانا مجرد كاتب صحفي يراقب ويحلل ويجمع المعلومات ما استطاع إليها سبيلا.
لكنها يا أيها الملك الجالس على العرش.. فرصتنا الأخيرة.

Advertisement

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.