فلسطينيات ناس الغيوان

Advertisement

لفلسطين غنّت مجموعة ناس الغيوان المغربية، وعن فلسطين ومن وحي فلسطين أبدعت أجمل الأغنيات، ومدّت حبل الوصال من أرض المرابطين إلى أرض المقاومين. فما أقرب المغرب من فلسطين، وإن ابتعدت المسافات المكانية، وكما توجد فلسطين في القلب المغربي، يوجد النبض المغربي أيضاً في فلسطين، ويحضر الاسم والذكرى المُخَلّدة في باب المغاربة في القدس.
وبالأمس القريب كانت الأعلام المغربية ترفع في أرجاء فلسطين، فرحاً وفخراً بما حققه المغرب من إنجاز عظيم، وما وصل إليه منتخب كرة القدم، في كأس العالم قطر 2022، ومع كل فوز جديد للأبطال، وكل تفوق مبهر للأسود المغاربة، كانت الأعلام المغربية ترفرف خفّاقة في الهواء، وقد أمسكتها أياد فلسطينية مُحبة، كما رَفع المنتخب المغربي العلم الفلسطيني في وجه العالم بأكمله، في بطولة رياضية كونية يشاهدها المليارات من البشر. وفي عز لحظات الفرح الغامر بالفوز والانتشاء بالنجاح، لم ينس هؤلاء الأسود فلسطين، وإذا كان ما حصل في كأس العالم هو المثال الأحدث، على القرب بين فلسطين والمغرب، رغم البعد المكاني الهائل، فإن فلسطينيات ناس الغيوان مثال آخر على هذا القرب، لكنه مثال قديم يعود إلى عشرات السنين.
وكما أن رجال المنتخب المغربي، أسود الأطلس، نجوم كرة القدم العارفين بأسرارها والمتقنين لفنونها، كانوا يتطلعون بأعينهم إلى فلسطين وتهفو أرواحهم إليها، كذلك كان حال ناس الغيوان، الشباب المغاربة الذين ظهروا في أواخر الستينيات، ولمعوا وازدهروا وتألقوا أيما تألق في السبعينيات والثمانينيات، وامتلكوا الكلمة والموسيقى وصارت أسرارها في حوزتهم، بل صاروا هم أنفسهم سراً فنياً عظيماً، سيظل مثار البحث والتحليل. كان هذا الفريق الموسيقي الذي بدأ مكوناً من خمسة فنانين متعددي المواهب، هم بوجميع، والعربي باطما، وعمر السيد، وعبد العزيز الطاهري، ومحمود السعدي.
يتطلع أيضاً إلى فلسطين، التي كما يبدو كانت قائمةً في عقولهم ومقيمةً في أرواحهم، ولم يكونوا في حاجة إلى رفع الأعلام للتعبير عن مناصرتهم للقضية الفلسطينية، لأنهم كانوا يملكون الكلمة والصوت والموسيقى، فانطلقت الأقلام تجري فوق الأوراق، لتحول المشاعر إلى حروف وكلمات، وامتدت الأيدي لتحرك الأوتار وتخلق النغمات، وصدحت الحناجر ليرتفع الصوت ويعلو، وكانت الفلسطينيات. وهذه الفلسطينيات هي أول ما سيتم تناوله، ضمن سلسلة من المقالات المتفرقة عن ناس الغيوان، فإن هذه الفرقة الموسيقية يجب أن تبقى ملفاً مفتوحاً طوال الوقت، بل إن كل أغنية من أغنياتها تستحق أن تحظى بمقال منفرد، يتناولها بالدراسة النقدية والتحليل الفني. وهي بالفعل من أكثر الفرق التي عُني بها الكتاب والنقاد المغاربة والعرب، وأُعدت عنها الأبحاث الأكاديمية، وأُلفت حولها الكتب، ومن أحدث هذه المؤلفات، كتاب «ناس الغيوان – خطاب الاحتفالية الغنائية» للكاتب المغربي والزميل في جريدة «القدس العربي» عبد الله الحيمر.

فلسطين باللهجة المغربية

كانت فرقة ناس الغيوان تغني لفلسطين، وعما وقع من أحداث عاصرها أعضاء الفرقة في السبعينيات والثمانينيات. والغناء لفلسطين والقضية الفلسطينية لم يكن مجرد واجب يؤدى بتصنع وتكلف، أو فرصة للمتاجرة بالقضية، كما يفعل البعض بغرض الاستفادة منها مادياً وسياسياً وجماهيرياً، بل كانت القضية الفلسطينية وما يجري لفلسطين وأهلها، ألماً يشغل نفوس هؤلاء النجوم، وموضوعاً فنياً وإنسانياً يحفزهم على الخلق والإبداع، لذا نجد أن أغنيات فلسطين لدى ناس الغيوان، تختلف عن كل ما تم غناؤه لفلسطين باللهجات العربية المتعددة، ولم تأت هذه الأغنيات على نمط واحد، يتناول القضية بكلمات مباشرة، أو هتافات حنجورية وشعارات مستهلكة، لكنها جاءت كأغنيات دقيقة الصنع الفني، عامرة بالخيال ومستويات التعبير ودرجات المعاني، منها ما ينطق اسم فلسطين وبعض المجازر الرهيبة بشكل محدد، ومنها ما يعبر عن القضية من خلال جوانب أخرى، كالجانب الروحي، والقتالي المقاوم، والإنساني العام.
وسماع أغنيات مثل صبرا وشاتيلا، وغير خدوني، والأمة، والقسم، وأهل الحال، ونرجاك أنا، والشمس الطالعة، ويا صاح، والانتفاضة، وغيرها من الأغاني، يُظهر للسامع مكانة وأهمية فلسطين في المخيلة المغربية. والمعروف إن فرقة ناس الغيوان، هي تعبير خالص عن المغرب بتنوعه ووحدته، وعمقه الثقافي وثرائه الروحي والفني، فعند ناس الغيوان، تنصهر وتمتزج ألوان المغرب الموسيقية، وإيقاعاته العربية والأمازيغية والافريقية، وتتفاعل الدارجة المغربية بأفضل كلماتها مع الحكم والأمثال الشعبية، التي يتم توظيفها في أغاني ناس الغيوان. وتتميز اللهجة المغربية بشكل عام بالتكثيف والاختصار، والقدرة على تكوين الجمل قوية المعنى، عميقة الأثر بالغة الدلالة، بمجموعة من الكلمات القليلة، وعند ناس الغيوان يظهر هذا الأمر، وقد أضيفت إليه مهارة الكتابة وصياغة الأزجال والأشعار الغنائية. وهناك من ينظر إلى ناس الغيوان كشعراء وأصحاب كلمة في المقام الأول، ذلك أن للكلمة الغيوانية شأنها العظيم وبلاغتها الخاصة، وارتباطها بالتراث المغربي الصرف، والأصول القديمة جداً لفنون الشعر والموسيقى والغناء والمسرح.
وللمغرب تاريخ طويل في هذه المجالات، يمتد إلى قرون بعيدة وأزمان غابرة، ظهر فيها الشعراء المتجولون والمداحون، ومسارح الحلقة والبساط وغيرهما، ولغناء فرقة ناس الغيوان اشتباك كبير وملحوظ مع الفعل المسرحي في شكله القديم، أو ما كان يعرف في مصر بالسامر على سبيل المثال. ويذكرنا الحي المحمدي في مدينة الدار البيضاء، الذي جاءت منه فرقة ناس الغيوان، بمنطقة المحمدي في القاهرة التي كانت معروفة بفنون السامر، ولسوامر المحمدي شهرتها القديمة في مصر.
أطلقت ناس الغيوان نبرة جديدة في الغناء المغربي والعربي بشكل عام، وهي المجموعة التي لا مثيل لها في البلدان العربية، ولم يقف النجاح الهائل ويستقر داخل حدود المغرب، بل امتدت الشهرة المدوية إلى سائر المنطقة العربية، وانطلقت نحو أوروبا وأمريكا، وانبهر بها بعض الفنانين العالميين، كالمخرج السينمائي الأمريكي مارتن سكورسيزي، الذي شبّه فرقة ناس الغيوان بفريق الروك الإنكليزي «رولينغ ستونز» وكثيراً ما يشبهها البعض بالبيتلز أيضاً. والحق إنه من الأمور المثيرة والممتعة لدى ناس الغيوان، ما تمنحه من انطباعات مختلفة قد تصل إلى حد التناقض، فالمظهر العصري مثلا لنجوم الفرقة، وملابسهم وتسريحات شعرهم المواكبة للموضة التي كانت سائدة في زمنهم وأكثرها تحرراً، وما كانوا يقدمونه بشكل جماعي من موسيقى وعزف وتأليف أشعار، قد يوحي بأن الفرقة ظهرت كاستجابة، أو كمجاراة للثقافة الغربية الأوروبية، في حين إنها لم تكن إلا روحاً مغربية أصيلة، ضاربة بجذورها في عمق الثقافة الشعبية.
ومن يتأمل الآلات الموسيقية التي كانت الفرقة تعتمد عليها، لن يجد إلا الآلات المغربية الخالصة، أو التي يشترك فيها المغرب مع بعض البلدان الافريقية، ولا وجود للآلات الموسيقية الغربية التي كانت أساسية لدى كل من البيتلز والرولينغ ستونز، كالغيتار والدرامز، فالهجهوج والبانجو كانا بديلين للغيتار، وحل محل الدرامز أكثر من آلة إيقاعية كالطبلة والطام طام والمزهر. وكذلك من يرى ناس الغيوان وهم شباب لا يزالون يكتشفون الحياة، ثم يستمع إلى ما يغنونه وينطقون به من حكم، وما يحملونه من هموم وأحزان ثقيلة، يشعر بأنهم عاشوا أكثر من حياة، واختبروا هذه الدنيا بما فيه الكفاية، ومن التناقضات الرائعة لديهم أيضاً، احتفاظهم بروح الهواية وشغف التجريب، إلى جانب قوة الاحتراف وإتقان التنفيذ.

الموقف الوطني والإنساني

لا تعكس الفلسطينيات المزاج السياسي والوطني لناس الغيوان وحسب، لكنها تدل على اختياراتهم الإنسانية العامة، وإلى أي جانب يصطفون، فهم مع المظلوم وصاحب الحق في كل مكان، سواء كان هذا المكان عربياً أو افريقياً، أو في أي بقعة من العالم، ولم يكونوا انتقائيين في نصرة المظلوم، كما يفعل البعض الذي ينصر هذا ويسانده من أجل الحصول على حقه، لأنه يحبه ويتقبل وجوده، ولا يعترف بحق ذاك وينكر الظلم الواقع عليه، وما يبذله من أجل استرداد حقه، ويتمنى له الشر والأذى لأنه لا يحبه ولا يتقبل وجوده.
كانت مبادئ ناس الغيوان ثابتة بخطوطها الإنسانية العريضة، لا تتقلب ولا تتلون وفقاً للأهواء والأحقاد. وغناء ناس الغيوان عن فلسطين هو غناء من طراز فريد، فيه نشدان عميق للعدل والحرية، بعمق الرغبة في تحقق الوجود الفلسطيني الكامل على أرض فلسطين. وفيه تعبير صادق وأصيل بالكلمات المنظومة والأنغام الموقعة، عن الإدراك التام للقضايا الوطنية والعربية والإنسانية، والانسجام مع مشاعر الشعوب.
عندما يبدأ غناء ناس الغيوان عن فلسطين، تُطوى المسافات وتتداعى حواجز البعد المكاني، فمن مكانهم في المغرب، كان هؤلاء الموهوبون بطبيعتهم، الذين جمعتهم الأقدار في لحظة سعيدة، وتلاقت خطوطهم الزمانية والمكانية، لتتكون الظاهرة ويُصنع التاريخ الفني، ينظرون من مكانهم البعيد إلى فلسطين، ويتفاعلون مع القضية بالكتابة والتلحين والغناء، وقد اجتمع في كل منهم المغني والعازف والشاعر.
ومن ينظر إلى وجوههم وهم يغنون لفلسطين، ويتأمل قسماتهم وملامحهم المغربية الأصيلة، يرى الحزن الذي تنطق به عيونهم إلى جانب أصواتهم. فلنستمع مثلاً إلى أغنية صبرا وشاتيلا التي تقول بعض كلماتها: «يا عالم فيك القتّال له جايزة، وفيك الحُكرة فايزة، ومن كل ماضي حكام، فيك الأيام من الأحزان حايزة، كالبحار دموع الصبيان دايزة، أرواحهم سارت لله، عاشت وماتت في الظلم يا عالم، فيك يتعلموا الحسانة، بلا موس بلا ماء فريوس اليتامى، وشي لكلام يا عالم». تتناول هذه الأغنية مجزرة صبرا وشاتيلا التي وقعت في الثمانينيات، وهي ليست المجزرة الوحيدة التي نسمع عنها في أغاني ناس الغيوان، فهناك مجزرة تل الزعتر أيضاً، التي لا تشترك مع مجزرة صبرا وشاتيلا في كونها من أبشع المجازر وحسب، لكن وللأسف تشترك معها في إنها من المجازر التي لم تنفذ بيد العدو الصهيوني وحده، وإنما امتدت بعض الأيدي العربية لكي تعاونه في جريمته الشنيعة، كنظام الأسد وبعض الطوائف اللبنانية.

تعتمد الأغنية على الإلقاء في البداية، قبل أن ينطلق اللحن الأساسي، وهو اللحن ذاته الذي حوله حميد الشاعري إلى أغنية عاطفية، هي أغنية جنة، وحول المقطع القائل «دنة دنة آه دنة» في أغنية صبرا وشاتيلا لناس الغيوان، إلى مقطع يقول «جنة جنة آه جنة عنيكي جنة»/ فاللحن جميل وإيقاعي متحرك، لكنه ليس لحناً سعيداً، وربما جاءت حركته من فرط الألم، أما الجزء الأكثر حيوية في الغناء، فهو الذي يقول: «الدنيا سكتات العدا دارت ما بغات، العرب سكتات صهيون دارت ما بغات، فصبرا وشاتيلا المجزرة الكبيرة، أطفال تذبحات شيوخ وعيالات، السوايع وقفات لكتوب تنهبات، فصبرا وشاتيلا كترت لقتيلة».
ولنستمع أيضاً إلى أغنية الانتفاضة على سبيل المثال، التي تقول: «دومي يا انتفاضة دومي، بحجارك دومي بصغارك دومي، ضد جيوش الاحتلال» وتتردد كلماتها بشكل سريع على إيقاع متصل ولحن متجدد، أما أغنية «القسم» فهي من أجمل ما يمكن الاستماع إليه من أغنيات ناس الغيوان عن فلسطين، حيث تبدو هذه الأغنية كالنشيد الخاص الذي ألفّته المجموعة لفلسطين، والوصية التي يوصون بها كل مستمع، وتنتهي أغنية القسم بألم مغربي وعربي أيضاً، وقضية من قضايا هذه الأمة المضافة إلى القضية الفلسطينية، وهذا ما تقوله الأغنية: «عتقوها، أمي فلسطين لا تدوزوها، ادركوها، جنة الخلد لا تفوتوها، حبوها، كيف الحياة كاملة اجعلوها، قسماً ما يفوز صهاين ولا مجوس ولا مبيوع في كل مكان، يا حيفا يا يافا، طول الغربة وطول العدوان، يا سبتة ومليلية المدن المسجونة».

مروة صلاح متولي : كاتبة مصرية

Advertisement
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.