لقد تجاوزوا الحضيض ولا مكان لمداهنة.. هذا ما يجب فعله ….

0 68
Advertisement

ياسر الزعاترة…

هاتوا جردة حساب لإتفاق “أوسلو” بمرحلتيه: مرحلة عرفات، ومرحلة عباس. عمر الأولى 11 عاما، فيما عمر الثانية 16 عاما.

سنتسامح قليلا مع المرحلة الأولى، رغم أنها فاتحة الكارثة، وسنفعل ذلك لجملة أسباب؛ أولها، أننا تحدثنا عنها آلاف المرات في مقالات وتغريدات، ولا حاجة للإعادة من جديد بذات التفاصيل، وثانيها أن التجربة كانت جديدة، وكان بوسع أصحابها أن يقولوا “دعونا نجرّب”، إذ يمكن لهذه التجربة أن تفضي إلى تحقيق الحلم بطبعته “الفتحاوية” الجديدة بعد “من البحر إلى النهر”، إلى دولة ذات سيادة بحدود 67، وذلك بعد أن نضع أقدامنا في أرضنا، بدل التشتت في العواصم البعيدة.

لم يحدث ذلك بطبيعة الحال، وهذا محمود عباس نفسه الذي كان أحد عرّابي الإتفاق، وشهد قمة كامب ديفيد، صيف العام 2000، يقول لقد نجونا من مأزق كبير، حيث لم يتجاوز المعروض “كانتونات معزولة” عن بعضها البعض على أجزاء من الضفة والقطاع، من دون سيادة ولا قدس ولا عودة لاجئين (هو ذاته الذي ما زال معروضا إلى الآن)، مع أن جوهر الفشل كان بعنوان القدس الشرقية التي قال عنها حمامة اليسار الصهيوني وقتها (يوسي بيلين)، إن “هيكلها” يساوي الكعبة للمسلمين!!

سبب آخر للتسامح الذي تحدثنا عنه هو الخطوة التالية التي خطاها عرفات رحمه الله بعد القمة المذكورة، وبعد زيارة شارون للأقصى إثرها، وذلك حين جعل السلطة وحركة “فتح” جزءا من إنتفاضة الأقصى؛ أحد أهم مراحل النضال في التاريخ الفلسطيني، ووصل به الحال أن جلب سفينة سلاح (كارين إيه) من إيران، وهي الخطوة التي ساهمت دون شك في قرار إغتياله.

هنا تحديدا، ثمة تاريخ بالغ الأهمية لا يعرف عنه “شبيبة فتح” الذين إستيقظوا على رمز جديد، أو لنقل “شيخ قبيلة” جديد، إسمه محمود عباس، ولم يعرفوا الكثير عما فعله بالرمز السابق، بدفع من الأوروبيين والأمريكان والصهاينة، وكيف كان الأخير يسميه “كرزاي فلسطين”، ويتهمه مع صديقه (دحلان) بالعمالة بشكل مباشر وغير مباشر، بجانب “ضرّة” دحلان في الضفة (جبريل الرجوب).

هذا الرمز الجديد (عباس) وصاحبه دحلان، وقفا على النقيض من كل الشعب الفلسطيني حين توحّد على صعيد واحد في إنتفاضة الأقصى، وإعتبروا المقاومة “لعبة كارثية”، وظلوا على ذلك ولم يغيّروا، لكن ذلك لم يمنع تدشين كتاب ملوّن عن إنجازاته، و”أوبريت” عن بطولاته، ومن ثم تتويجه بطل الأبطال الذي أفشل “صفقة القرن”، لكأن أحدا، كان بوسعه التوقيع على بيع القدس، وأخذ “كانتونات” على أقل من نصف الضفة الغربية، بلا سيادة، بحسب هرطقات ترامب، وصهره الصبي كوشنر.

هذا التاريخ، يجب أن يعرفه شبيبة “فتح” اليوم، من أتباع عباس في الضفة، وأتباع دحلان في غزة، كي يعرفوا ماذا فعل كل منهما بالحركة وتاريخها، وما هي علاقتهم بالإحتلال، وكلاهما أسوأ من الآخر، وصراعهما أصلا، لا صلة له بفلسطين، بل بمصالح شخصية، لا سيما بعد هجاء دحلان لنجلي الزعيم.

يجب أن يحدد هؤلاء الشبيبة ما إذا كانوا أعضاء في قبيلة حزبية، “إن غوت غووا”، و”إن رشدت رشدوا”، أم هم شبان بوصلتهم فلسطين. بوسعهم أن يكرهوا حماس، وأن يقولوا فيها ما يشاؤون، ولكن ذلك كله شيء، والدفاع عن العار والخيانة شيء آخر.

منذ 16 عاما، تمّت إعادة فك وتركيب لسلطة أوسلو التي سمّاها كاتب صهيوني شهير (عكيفا الدار) بـ”الإختراع العبقري المسمى سلطة فلسطينية”.
السلطة التي حملت عن الغزاة الوجه القذر للإتلال، وأراحتهم من أعبائه الإقتصادية والسياسية والأمنية (سهولة إصطياد جنوده ومستوطنيه ورموز إدارته المدنية في الشوارع).

جاء الجنرال الأمريكي دايتون عام 2005، وفرّغ الأجهزة الأمنية من كل روح وطنية؛ بإقالة 3 آلاف من الضباط القدماء، وجاء بمن سمّاهم “الفلسطينيين الجدد”.

أما بلير فصاغ البعد الإقتصادي للسلطة، على نحو يجعلها سلطة مال وإستثمار، لا صلة لها بالوطن والوطنية، وأشغل الناس بالقروض والأموال، وقامت السلطة بإعادة تشكيل وعي الناس في المساجد والجامعات كي يتركوا خيار المقاومة وينشغلوا بتحسين شروط الحياة، ورأينا كيف تم إسكاتهم حين كانت غزة تخوض 3 حروب.

وحتى هذا البعد (أي الإنتخابات في 2006)، كان جزءا من اللعبة للتعامل مع السلطة كدويلة، وليس كأرض محتلة، وشعب يبحث عن التحرير، وإن جاءت النتيجة التالية على غير ما يشتهون، من حيث بناء قاعدة مزعجة للمقاومة في غزة، رغم بقائها مقيّدة بسبب إستحالة الجمع بين السلطة والمقاومة، وخيارات عباس قبل ذلك.

منذ ذلك الحين، لم يكن عباس سوى خطيب يهدد ويتوعّد، ولا يفعل شيئا أمام تصاعد الإستيطان والتهويد، وأمام الإجراءات الصهيونية، والقرارات الأمريكية، ومع ذلك يستمر التصفيق له، كأنه بطل الأبطال!!

اليوم وبعد 6 شهور من وقف ما يسمى “التنسيق الأمني”، وبعد أن ذهب عرب التطبيع خطوات بعيدة في التحالف مع العدو، والتمهيد لـ”الحل الإقليمي”، الذي يعني تطبيعا واسعا، يحيل المؤقت دائما بمرور الوقت، والصراع إلى مجرد نزاع؛ يعيد عباس “التنسيق الأمني”، ويسمي وزيره (حسين الشيخ) ذلك؛ بخفة ووضاعة “إنتصارا”، وبذلك يقدم أعظم هدية لعرب التطبيع والإنبطاح، ويمهّد الأجواء لـ”الحل الإقليمي” المشار إليه، أو التصفية الناعمة للقضية بيد الصهيوني (بايدن)، بدل غطرسة ترامب التي لم تكن لتجدي نفعا.

سيحدثونك عن المال والرواتب، متجاهلين أن ذلك كله كان من مسؤوليات الإحتلال، ويمكن أن يعود، وإذا لم يعد بحلّ السلطة، فسيعود بأموال أشقاء وأصدقاء، عبر إنتفاضة شاملة، لها فرصة إنتصار كبيرة في ظل وضع دولي وإقليمي لا يخدم العدو، لا سيما حين ترفع شعارا ينسجم مع القرارات الدولية (دحر الإحتلال بالكامل عن الأراضي المحتلة عام 67، دون إعتراف بما تبقى للغزاة).

الآن، لا جدوى من المداهنة مع قيادة عار وخيانة كهذه، وعلى حماس والجهاد وما تبقى من فصائل ورموز وتجمعات تؤمن بفلسطين أن تجتمع فورا، وتتخذ مسارا للتصدي لهذه الخيانة، بالتعاون مع من يملك الإستعداد من شرفاء “فتح”، وإلا فنحن أمام كارثة كبرى، لن يوقفها سوى إنفجار شامل في الضفة وغزة، يقاتل السفلة من كل لون لمنعه بكل وسيلة ممكنة.

وإذا كان ولا بد من إطار جديد غير “منظمة التحرير” التي جعلها عباس مؤسسة تافهة وتابعة، فليكن ذلك، لا سيما أن حماس والجهاد وحدهما يمثلان أكثر من نصف الشعب في أي إنتخابات حرة في الداخل والخارج.

حين تصل الخيانة الحضيض، فلا مجال للمداهنة.

كفى.. نعم، كفى.

Advertisement

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

+ 18 = 25